وائل العتيبي – جدة
ماذا يبقى من الأمس حين يصبح حاضرًا؟ وماذا يقول جيل عاش التحولات لجيل لم يعرف من ذلك الزمن إلا ما حفظته الكتب والذاكرة؟
بهذا السؤال يمكن الاقتراب من تجربة الدكتورة عزيزة عبدالعزيز المانع، التي تختزل أمسيتها «من غسق الأمس إلى فجر اليوم» مساء اليوم في جدة، رحلة طويلة من التربية والكتابة والبحث والاشتغال بقضايا المرأة والتعليم والمجتمع، وصولًا إلى استعادة الذاكرة وتوثيق بعض صفحاتها.
وتحتضن الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون بجدة، بالتعاون مع «هاوي»، الأمسية ضمن «الكلمة – صالون ثقافي»، عند الثامنة والنصف مساءً، فيما تدير الحوار الكاتبة نبيلة محجوب.
وتنطلق أهمية التجربة من موقع المانع بوصفها متخصصة في أصول التربية، وأستاذة سابقة في كلية التربية بجامعة الملك سعود، إلى جانب حضورها الثقافي والصحفي الممتد، الذي جعل من قضايا المرأة والتعليم والعمل والتحولات الاجتماعية موضوعًا متصلًا في كتاباتها ولقاءاتها الفكرية.
ومنذ مقالاتها الصحفية التي امتدت لعقود، لم تتعامل المانع مع قضية المرأة بوصفها ملفًا منفصلًا، بل بوصفها نافذة يمكن من خلالها قراءة تحولات المجتمع والدولة. ويتجلى ذلك بوضوح في كتابها «الدولة الحديثة وتحديات تنمية المرأة في المملكة العربية السعودية» الصادر عام 2023، حيث تتبع مسارات تعليم المرأة وعملها والتحديات التي صاحبت انتقالها إلى أدوار اجتماعية ومهنية أوسع.
وتكتسب هذه المقاربة أهميتها من أن المرأة في تجربتها ليست مجرد موضوع للبحث، بل مرآة للتحول؛ فما يطرأ على موقعها في التعليم والعمل والمجال العام يعكس، في جانب منه، ما يطرأ على المجتمع بأكمله.
وفي كتابها الأحدث «عند الرهان تعرف السوابق»، الصادر عام 2025، تتقدم المانع خطوة أخرى من قراءة التحول إلى توثيق الذاكرة، عبر سيرة الأميرة نورة بنت محمد بن سعود بن عبدالرحمن آل سعود وتجربتها في العمل الاجتماعي والتنموي.
وهنا يتغير السؤال من: «كيف تغير المجتمع؟» إلى: «من هم الذين أسهموا في صناعة هذا التغير؟»؛ لتصبح السيرة الفردية مدخلًا إلى استعادة جانب من تاريخ العمل الاجتماعي النسائي السعودي، خصوصًا في ظل محدودية بعض المصادر المكتوبة واعتماد التوثيق أحيانًا على الشهادات والروايات الشفهية.
وبين الكتابين تتشكل ملامح مشروع المانع: التربية لفهم الإنسان، والكتابة لطرح الأسئلة، والتوثيق لحفظ الذاكرة.
ولذلك يبدو عنوان الأمسية «من غسق الأمس إلى فجر اليوم» أكثر من عنوان عابر؛ فالغسق والفجر ليسا زمنين منفصلين، وإنما حلقتان في مسار واحد: تعليم اتسع، وأدوار اجتماعية تبدلت، ونساء دخلن فضاءات جديدة، ومجتمع أعاد صياغة كثير من أسئلته.
وفي جدة، المدينة التي ظلت تاريخيًا فضاءً للتنوع والاتصال بالعالم، تبدو استعادة هذه الذاكرة ذات دلالة خاصة؛ إذ تتحول الأمسية إلى حوار بين أجيال عاشت التحول، وأجيال شهدت ثماره، وأخرى تصنع مرحلته المقبلة.
في النهاية، لا تستعيد عزيزة المانع الماضي بحثًا عن زمن مثالي، وإنما لتسأل: كيف وصلنا إلى هنا؟ وما الذي ينبغي أن يبقى في الذاكرة ونحن نمضي إلى الغد؟
فالمجتمعات، كما يوحي عنوان الأمسية، لا تنتقل من الغسق إلى الفجر دفعة واحدة؛ بل تصنع ضوءها عبر أجيال تتعاقب، وأسئلة تتغير، وذاكرة تحفظ الطريق.