النهار

٢٠ أغسطس-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٠ أغسطس-٢٠٢٦       2970

بقلم _ مقبل الشليخي

جلست قبل أيام مع صديق يستعد لبناء بيت العمر، وكان يقلب المخطط كل يوم ويغير فيه، حتى قال لي: "تدري أنني صممت بيتي من دون مجلس للرجال؟"

استهجنت قراره، وقلت له: كيف تبني بيتاً من دون مكان تستقبل فيه ضيوفك؟

 

كان جوابه جاهزاً: الضيف إذا زارني أستضيفه في أحد المقاهي، وقد تمر عدة أشهر من دون أن يأتيني أحد. فلماذا أضيّق على أولادي من أجل مجلس لا يفتح إلا مرة كل عدة أشهر، وربما لا يُستخدم حينها أكثر من ساعة؟

 

قلت له: وإن زارك قريب أو صديق من خارج المدينة، أين سيجلس وأين سينام؟

 

قال بكل بساطة: أحجز له في فندق. بيتي لي ولأولادي!

 

حقيقةً، لم يقنعني تماماً، لكنني وجدت أن لديه ما يبرر قراره، وإن بقيت غير مقتنع به. فالعادات تغيرت، والزيارات لم تعد كما كانت، ومساحات البيوت تقلصت، وتكاليف البناء ارتفعت، وأصبحت المقاهي والمطاعم مكاناً لكثير من اللقاءات التي كانت تُعقد داخل المنازل.

في السابق، كان مجلس الرجال من أول ما يفكر فيه صاحب البيت، وربما من أكبر غرفه وأقربها إلى الباب. لم يكن مجرد مكان للجلوس، بل جزءاً من حياة الأسرة؛ يستقبل فيه الضيف، ويجتمع الأقارب، وتقام المناسبات، وتُعرف من خلاله أخبار الحي وأهله. والضيف قد يأتي من دون موعد، ولا يحتاج إلى رسالة واتساب قبل الزيارة بأيام.

أما اليوم، فتبدلت طريقة التواصل، وأصبحت الزيارات أقل، والحضور في كثير من الأحيان مرتبطاً بمناسبة أو موعد مسبق. ومع صغر مساحة بعض المنازل، بدأ الجيل الجديد يسأل: هل من المنطق تخصيص مساحة كبيرة ومكلفة لمجلس مغلق معظم أيام العام، بينما يحتاج الأبناء إلى غرفة إضافية أو مساحة أوسع يعيشون فيها كل يوم؟

السؤال منطقي من الناحية العملية، لكن المجلس بالنسبة لي ليس مجرد مساحة تُحسب بعدد مرات استخدامها. فهو جزء من عادات الضيافة في مجتمعنا، وإلغاؤه قد يحول الزيارة العائلية البسيطة إلى موعد رسمي في مقهى، ويجعل الضيف القادم من بعيد يشعر بأن الفندق أقرب إليه من بيت قريبه.

تغيرت العادات بلا شك، لكن يبدو أن جيلي لا يزال يرى البيت من دون مجلس ناقصاً، بينما يرى الجيل الجديد أن أهل البيت أولى بهذه المساحة.

وبين الجيلين يبقى السؤال: هل مجلس الرجال ضرورة في البيت، أم عادة حان الوقت لإعادة النظر