الكاتب : النهار
التاريخ: ١٨ أغسطس-٢٠٢٦       2915

وادي الدواسر _ مبارك الدوسري_ النهار

في مشهد إنساني لافت، احتفت جمعية التنمية الأهلية بالشرافاء بمحافظة وادي الدواسر بالعامل الهندي خالد كاريل، تزامناً مع مغادرته النهائية للمملكة، بعد أكثر من ثلاثين عامًا قضاها في العمل بإحدى البقالات في مركز الشرافاء، ليغادر المكان الذي شهد أعوام طويلة من حياته وهو يحمل معه ذكريات لا تختزلها سنوات العمل، بل تختزنها علاقات إنسانية صنعتها الأيام والمواقف وحسن التعامل.
وحضر الاحتفاء عدد من أهالي الحي وأصدقاء خالد والأطفال، في صورة عفوية عبّرت عن معنى أعمق من مجرد تكريم عامل أنهى سنوات عمله؛ إذ بدت المناسبة وكأنها رسالة وفاء من مجتمع إلى إنسان عاش بين أفراده، وعمل بينهم، وأصبح وجهاً مألوفاً لأجيال متعاقبة من أبناء الحي، حتى غدا رحيله مناسبة تستحق أن يتوقف عندها الجميع.
وأوضح رئيس جمعية التنمية الأهلية بالشرافاء سعد الصافي أن هذا الاحتفاء يأتي تقديراً لمسيرة خالد، وتجسيداً لقيم الوفاء والتقدير التي يتميز بها المجتمع السعودي، مؤكداً أن من يعمل بأمانة، ويحترم الأنظمة، ويؤدي واجبه بإخلاص، ويسهم في خدمة المجتمع، يظل محل تقدير واحترام، بصرف النظر عن جنسيته أو طبيعة عمله.
ولعل أجمل ما في هذه المبادرة أنها أعادت التذكير بأن العلاقة بين أفراد المجتمع لا تقاس دائماً بمواقعهم الوظيفية أو سنوات بقائهم في مكان واحد، وإنما بما يتركونه من أثر في نفوس الآخرين؛ فهناك أشخاص قد يدخلون مجتمعاً لأداء عمل محدد، ثم تمضي السنوات فإذا بهم يصبحون جزءاً من ذاكرته الاجتماعية والإنسانية، وتصبح مغادرتهم حدثًا يشعر به من عرفهم وتعامل معهم.
وعبّر  خالد كاريل  عن بالغ امتنانه لأهالي الشرافاء، مؤكداً أن أعوام عمله وإقامته في المملكة ستظل جزءاً عزيزاً من ذاكرته، مقدماً شكره لكل من شاركه هذه الرحلة الطويلة، في مشهد اختلطت فيه مشاعر الفرح بمغادرته إلى وطنه، والحزن لفراق من ألفوه وعاشوا معه تفاصيل سنوات طويلة.
وشهد الاحتفاء تقديم عدد من الهدايا التذكارية لخالد، من بينها لوحات حملت رسائل شكر ووفاء باللغتين العربية والمالايالامية، لتبقى ذكرى له ولأسرته عن سنوات عمله في المملكة، وعن المكان الذي احتضنه أكثر من ثلاثة عقود، وعن أهل حي لم ينظروا إليه في نهاية المطاف بوصفه عاملاً في متجر، وإنما بوصفه إنساناً عاش بينهم وأصبح واحداً من الوجوه التي ارتبطت بذاكرة المكان.
وتأتي هذه المبادرة لتؤكد أن ديدن أبناء المملكة، وما دأبت عليه مؤسساتها الاجتماعية والأهلية، هو تقدير الإنسان الذي يخلص في عمله ويحترم وطنه ومجتمعه وأنظمته، والاحتفاء بكل من يترك أثراً طيباً في محيطه، وهي قيم أصيلة تتجاوز حدود المناسبة لتقدم صورة مشرقة عن المجتمع السعودي الذي يقدّر الوفاء، ويحفظ الجميل، ولا ينسى من أحسن وأخلص وأدى الأمانة.
وفي زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة وتتغير فيه الوجوه والأماكن، تبدو قصة  خالد كاريل  مختلفة؛ لأنها تذكرنا بأن ثلاثين عاماً من العمل ليست مجرد رقم في سجل وظيفي، بل ثلاثون عاماً من الحضور اليومي، واللقاءات، والابتسامات، والمواقف الصغيرة التي تصنع في النهاية ذاكرة كبيرة؛ ولذلك لم يكن رحيله مجرد مغادرة عامل لمكان عمله، بل كان وداعاً لوجه ألفه المكان، وألفه الناس، وترك خلفه سيرة طيبة تستحق أن تُروى.
وهكذا، لم تكن جمعية التنمية الأهلية بالشرافاء تحتفي بخالد وحده، بقدر ما كانت تحتفي بقيمة الوفاء نفسها، وتوجه رسالة إلى كل من يعيش ويعمل في هذا الوطن بأن الإخلاص في العمل، وحسن التعامل، واحترام الأنظمة، وخدمة الناس، كلها أعمال لا تضيع، وأن المجتمع الذي يعرف كيف يكرّم من أحسن إليه هو مجتمع يعرف قيمة الإنسان ويحفظ أثره.
إنها قصة بسيطة في تفاصيلها، كبيرة في معناها؛ قصة عامل أمضى أكثر من ثلاثين عاماً في المملكة، وقصة مجتمع قرر ألا يسمح للرحيل أن يمحو سنوات العِشرة، فاختار أن يقول لخالد كاريل قبل أن يغادر: شكراً لأنك كنت جزءاً من حكايتنا.. وستبقى ذكراك جزءاً منها.