الكاتب :
التاريخ: ١٤ أغسطس-٢٠٢٦       3300

بقلم ـ مبارك بن عوض الدوسري

ليست المكانة الحقيقية التي يكتسبها الإنسان من موقعٍ عابر، ولا من مؤسسةٍ أو اتحادٍ أو منظمةٍ وجد فيها فرصة للظهور، وإنما تُبنى بما يملكه من فكرٍ وخبرةٍ وأخلاقٍ وإنجاز، وبما يتركه من أثرٍ نافع في حياة الآخرين؛ غير أن بعض البيئات الهشة قد تتحول أحياناً إلى مساحات مثالية لبروز أشخاص لا يملكون من مقومات القيادة أو الحضور الحقيقي إلا الرغبة الجامحة في الظهور؛ وفي بعض المؤسسات والمنظمات والاتحادات التي تضعف فيها معايير الكفاءة، وتغيب عنها المراجعة والنقد، يصبح المشهد أشبه بما يختصره المثل الشعبي المصري: "رزق الهبل على المجانين"؛ إذ يجد من يفتقر إلى مقومات الحضور الحقيقي من يصفق له، ومنحه ألقاباً ومكانة لا يستحقها، فقط لأن الذين حوله لا يملكون معياراً دقيقاً يفرق بين القيمة الحقيقية والوهم المصنوع؛ وهنا تظهر حالة يمكن وصفها بأنها "كبير القوم في ضيعة العميان"؛ شخص يدرك في قرارة نفسه أنه لن يستطيع الصمود أمام أصحاب الفكر والخبرة والإنجاز، فيختار بيئة أقل قدرة على المنافسة، ويجد فيها المجال ليقدم نفسه بوصفه شخصية مهمة أو قائداً أو نجماً؛ وفي المقابل، يجد من حوله من يكرس هذه الصورة ويمنحها شرعية التصفيق، فتتشكل دائرة مغلقة يغذي فيها الوهم نفسه.

والأخطر أن حب الظهور في مثل هذه الحالات لا يكون دائماً تعبيراً عن ثقة بالنفس أو رغبة في مشاركة الآخرين تجربة أو نجاحاً، وإنما قد يتحول إلى تعويض مستمر عن نقص داخلي؛ فيصبح الظهور غاية، والصورة دليلاً على الحضور، والتصفيق بديلاً عن الإنجاز ؛ولذلك تتكرر المشاهد ذاتها: حضور في كل مناسبة، وحرص على الظهور في كل صورة، وابتسامة واحدة تكاد تكون ثابتة لا تتغير بتغير الموقف، وكأن الصورة أصبحت هدفاً بحد ذاتها؛ غير أن الصورة مهما كانت جميلة لا تصنع قيمة، واللقطة مهما تكررت لا تصنع تاريخاً، والظهور المتواصل لا يتحول إلى إنجاز لمجرد أنه حظي بعدد كبير من المشاهدين أو المصفقين؛ حتى التفاصيل الصغيرة قد تكشف أحياناً ما تحاول الصورة الرسمية إخفاءه؛ فالمظهر ليس هو معيار الإنسان، لكنه قد يصبح جزءاً من مفارقة المشهد عندما يحاول صاحبه أن يقدم نفسه بصورة تختلف تماماً عن واقعه؛ والأهم من المظهر بكثير هو ما يكشفه السلوك من مستوى الذوق، وما تكشفه المواقف من مستوى الوعي، وما يكشفه الحوار من عمق الفكر، وما يثبته العمل من حقيقة الإنجاز؛ فالقيادة ليست في كثرة الصور، ولا في كثرة الألقاب، ولا في عدد من يقفون حول الشخص، وإنما في القدرة على إقناع الآخرين بالفكرة، وتحمل المسؤولية، واحترام الناس، وصناعة الأثر، والاعتراف بفضل الآخرين، والوقوف بثبات عندما يصبح الاختبار حقيقياً؛ وقد يكون من السهل جداً أن يصبح الإنسان نجماً في بيئة لا توجد فيها منافسة حقيقية، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما ينتقل إلى بيئة مليئة بالمبدعين وأصحاب الخبرات والتجارب؛ هناك تسقط الأقنعة سريعاً، وتصبح القيمة للعمل لا للصورة، وللفكر لا للصوت، وللإنجاز لا للادعاء.

إن المشكلة لا تكمن فقط في شخص يبحث عن مجدٍ أكبر من حجمه، وإنما في البيئة التي تمنحه هذا المجد دون استحقاق. فالشخص الواهم قد يجد في المصفقين حوله ما يشجعه على الاستمرار، والمصفقون بدورهم يجدون في وهمه ما يرضي حاجتهم إلى وجود شخصية يرفعونها، فتتشكل علاقة متبادلة بين الوهم والتصفيق؛ وهكذا يصبح المشهد في نهايته مأساوياً أكثر منه مثيراً للسخرية: خواءٌ يبحث عن خواء، ووهمٌ يصنع وهماً، وتصفيقٌ يمنح القيمة لمن لا يملكها؛ ولذلك فإن المؤسسات والمنشآت المحترمة لا تقاس بعدد نجومها الظاهرة في الصور، وإنما بقدرتها على صناعة الكفاءات، وفتح المجال أمام أصحاب الفكر والإنجاز، ووضع معايير عادلة للمكانة والمسؤولية، بحيث لا يصبح الفراغ طريقاً إلى الصدارة، ولا يتحول التهليل إلى شهادة كفاءة؛ ففي نهاية المطاف، المكانة التي يصنعها التصفيق تنهار عندما يصمت المصفقون، أما المكانة التي يصنعها الفكر والعمل والأخلاق فتبقى حتى عندما يغيب صاحبها؛ والفارق بين الاثنين كبير؛ فالأول يبحث عن جمهور، بينما الثاني يصنع أثراً.

@mawdd3