الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٦ أغسطس-٢٠٢٦       3685

بقلم ـ د. غالية بنت عيسى الزبيدي 

وحدها الأوطان الراسخة تظل قادرة على كتابة حضورها في ذاكرة العابرين ، ليس بما تمتلكه من معالم وشواهد تاريخية فقط، بل بما تتركه من انطباعات إنسانية عميقة لدى من يقترب منها ويصغي إلى حكاياتها.

 فهناك أمكنة لا تنتهي حدودها عند الجغرافيا، وإنما تمتد إلى فضاءات الثقافة والتاريخ والوجدان، فتتحول الزيارة إليها إلى تجربة معرفية تتجاوز المشاهدة العابرة إلى التأمل والبحث عن المعنى.

ومن هذا المنطلق يأتي كتاب "عُمانيات: أتيتُ يا عُمان والأشواقُ راحلتي" للكاتب السعودي أحمد صالح حلبي، بوصفه قراءة محبة في تفاصيل المكان العُماني، ورحلة ثقافية سجل فيها الكاتب مشاهداته وانطباعاته خلال زياراته لسلطنة عُمان. فالكتاب، الصادر في طبعته الأولى عام 2024 عن دار كليم للطباعة والنشر والتوزيع – القاهرة، ينتمي إلى أدب المقالة الرحلية التي تجمع بين التأمل التاريخي والوصف الحضاري واللمسة الوجدانية.

لا يقدم حلبي عُمان بوصفها موقعًا جغرافيًا يمر به المسافر ثم يغادره، وإنما بوصفها فضاءً حضاريًا له ذاكرة ممتدة، تتداخل فيه الأسطورة بالتاريخ، والطبيعة بالإنسان، والماضي بالحاضر. 

ومن خلال مجموعة من المقالات المتنوعة، يحاول الكاتب أن يرسم صورة متكاملة لوطن استطاع أن يحافظ على خصوصيته الثقافية، وأن يوازن بين عمق الجذور ومتطلبات العصر.

يبدأ الكتاب من بوابة الشعر في مقاله "عُمان في الشعر" ، وهي بداية تحمل دلالة عميقة؛ فالشعر كان دائمًا أحد الأوعية التي حفظت علاقة الإنسان بالمكان، ومن خلاله عبّر الشعراء عن مشاعرهم تجاه الأوطان ومآثرها. ثم ينتقل الكاتب إلى صفحات التاريخ عبر مقالات مثل "سلطنة عُمان تاريخ عميق" و"عُمان مملكة مجان"، مستعرضًا الحضارات القديمة التي نشأت على هذه الأرض، ومكانة عُمان التاريخية بوصفها مركزًا للتجارة والتواصل الحضاري منذ عصور بعيدة.

وفي محطات أخرى يتوقف حلبي عند الذاكرة البحرية لعُمان، فيتناول العلاقة التاريخية بين العُمانيين والبحر، وحضورهم في المحيط الهندي، من خلال مقالات مثل "زنجبار العُمانية" و"مآثر العُمانيين في زنجبار" و"بيت العجائب في زنجبار" .

 وهذه الموضوعات تكشف عن اتساع التجربة العُمانية التي لم تكن محصورة داخل حدودها الجغرافية، بل امتدت عبر البحار، وأسهمت في بناء جسور اقتصادية وثقافية مع مناطق متعددة.

ويولي الكتاب اهتمامًا واضحًا للشخصيات العُمانية التي تركت بصمتها في التاريخ، فيتوقف عند أحمد بن ماجد أسد البحار، والعلماء والأطباء، والشخصيات الدينية والسياسية التي ارتبطت بمراحل مهمة من تاريخ عُمان.

 كما يسلط الضوء على نساء عُمانيات خلدهن التاريخ، مؤكدًا أن صناعة الحضارة لا ترتبط بالرجال وحدهم، وإنما تشارك فيها شخصيات نسائية كان لها حضورها وتأثيرها في المجتمع.

ولا يغفل الكاتب عن الجانب المعماري والتراثي، فيتجول بين القلاع والمساجد والمتاحف، فيكتب عن قلعة بهلاء، وقلعة الميراني، ومسجد الغمامة، ومسجد بني رواحة، كما يعرّف القارئ بجماليات المدن والمحافظات العُمانية مثل عبري، وصور، ومطرح، ومحافظة الداخلية، ويكشف عن التنوع الطبيعي الذي تتميز به السلطنة من جبال وشلالات وأودية ومواقع سياحية تحمل خصوصيتها الجمالية.

إن ما يمنح كتاب "عُمانيات" قيمته الحقيقية هو أن الكاتب لا يكتفي برصد المشهد الخارجي، بل يحاول الوصول إلى الروح التي تقف خلف هذا المشهد؛ روح الإنسان العُماني بما يحمله من أصالة وهدوء واعتزاز بالهوية، وروح المكان بما يختزنه من تاريخ وحكايات؛ فالصورة التي يقدمها حلبي ليست صورة زائر يبحث عن المعلومة فقط، بل صورة كاتب وجد في عُمان مادة للتأمل والكتابة.

ويكشف الكتاب كذلك عن أهمية حضور الآخر في قراءة الأوطان؛ فحين يكتب كاتب سعودي عن عُمان، فإنه يقدم زاوية مختلفة للرؤية، زاوية تحمل المحبة والتقدير، وتعيد اكتشاف التفاصيل التي قد تصبح مألوفة لأبناء المكان أنفسهم.

 وهنا تتحول الكتابة إلى جسر ثقافي بين الشعوب، وإلى مساحة للتعبير عن القيم المشتركة التي تجمع أبناء الخليج العربي.

إن "عُمانيات" ليس مجرد مجموعة مقالات عن أماكن وشخصيات، بل هو نص يحتفي بالهوية العُمانية في أبعادها التاريخية والثقافية والإنسانية. 

وقد نجح أحمد صالح حلبي في أن يجعل من رحلته إلى عُمان رحلة في الذاكرة؛ رحلة تبحث عن الحكاية الكامنة خلف القلاع، وعن الإنسان المختبئ خلف التفاصيل، وعن وطن يترك في قلوب زائريه أثرًا لا تمحوه المسافات.

 

عن الكاتبة: شاعرة وكاتبة وباحثة في اللسانيات الحديثة وتحليل الخطاب

الفائزة بجائزة سرد الذهب للقصة القصيرة غير المنشورة بدورتها الثالثة لعام 2026 م.