بقلم ـ ياسين سالم
في خضم التوترات الإقليمية وتشابك الملفات الأمنية والاقتصادية والدبلوماسية ، بين بغداد والرياض ، يأتي الحديث عن إلغاء زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى المملكة العربية السعودية ليطرح أكثر من سؤال ، فهل هو تراجع ؟ أم مناورة سياسية محسوبة ؟ المؤشرات حسب رأيي تقول إننا أمام تأجيل تكتيكي قصير لأسبوع أو أكثر أو أقل ، وليس قرار إلغاء أو قطيعة .
السبب المباشر الأقرب هو الحاجة إلى تهدئة جمهور القوى الولائية والشارع الحاضن ، بعد التوتر الأمني الأخير مع المملكة والرد السعودي الموجع للمليشات الولائية ، ففي مثل هذه الأجواء ستُقرأ أي زيارة رسمية إلى الرياض على أنها "خطوة استباقية أو انحياز في توقيت حساس" ، وسيوظفها الخصوم للهجوم على الحكومة ، لذلك فإن منح فترة تبريد قصيرة يمنح فرصة لامتصاص الغضب الإعلامي والسياسي ومنع تحويل الزيارة إلى ذريعة لإضعاف رئيس الوزراء ،
لكن السبب الأعمق يكمن في الداخل العراقي ، فـ الزيدي لا يزال يقف على قاعدة سياسية رخوة وغير صلبة ، ومحاط بثلاث دوائر ضغط: الإطار التنسيقي ، الحاضنة الشيعية ، والشارع ، وهو مضطر لمهادنة القوى المحيطة به حتى لا يخسر الدعم الداخلي الذي يُبقي حكومته قائمة ، وقد زاد تعقيد المشهد أن "الزيدي" افتتح ولايته بحملة على الفساد ، هذه الحملة اكسبته تأييداً شعبياً واسعاً ، لكنها خلقت في المقابل خصوماً داخل بيئته السياسية نفسها ، إذ إن كثيراً ممن حوله أو من المناهضين له تأثروا بها بشكل مباشر ، والذهاب إلى الرياض الآن دون ترتيب داخلي مسبق سيعطي هؤلاء فرصة لاتهامه بالهروب إلى الخارج أو البحث عن شرعية بديلة وغطاء اقليمي ،
وهنا تكمن المفارقة ، فبالرغم من هذه الضغوط الداخلية ، فإن أي خطوة خارجية الآن تحتاج إلى غطاء داخلي أولاً ، وإلا ستنقلب الزيارة من فرصة إلى عبء سياسي ،
ومع ذلك ، وبغض النظر عن الدوافع الحقيقية لـ الزيدي ، سواء كان صادقاً في توجهه الإصلاحي ، أو يبحث عن مصالحه السياسية ، أو حتى يطبق سياسة "خفض الأشرعة أمام العواصف والأمواج" لتجنيب البلاد الانزلاق او النظام الحاكم ، فإن النتيجة العملية لنهجه الحالي تصب في صالح استقرار العراق والمنطقة ، فالهدف المعلن هو منع العراق من أن يتحول مجدداً إلى ساحة صراع إقليمي ، وضبط السلاح المنفلت ، وحصر القرار بيد الدولة ، هذه ليست ضعفاً ، بل هي غريزة بقاء ، لأن أي تصعيد كبير سيكون الحكم في بغداد أول المتضررين وأول من يغرق ، وبالتالي فإن التهدئة وتجنيب البلاد المواجهات هو الخيار العقلاني للحفاظ على الاستقرار ،
ومن هذا المنطلق تحديداً ، يبرز الموقف السعودي الثابت الذي لم يتغير ، فالرياض لم تتطرق يوماً في بياناتها للدول والشعوب ، حتى عند تحميل المسؤولية للميليشيات ، هي دائماً تفصل بوضوح بين الدولة ومؤسساتها والشعب من جهة ، وبين الميليشيات والأدوات الخارجة عن الدولة من جهة أخرى ، هذا المبدأ هو ما يجعل السعودية قادرة على دعم الحكومة العراقية وفي الوقت نفسه مواجهة التهديدات الصادرة من الجماعات المسلحة ، وهو ما يجعلها أيضاً تتفهم دواعي التأجيل لأنها تفضل زيارة تُنتج مخرجات ملموسة في الأمن والاقتصاد على زيارة بروتوكولية بلا مضمون ،
ختاماً ، لا أعتقد أن هناك إلغاء ، ما هو متوقع هو تأجيل قصير يمنح الزيدي فرصة لترتيب أوراقه الداخلية والعودة إلى الرياض بملف متكامل يمكن بيعه داخلياً كإنجاز ، فالسياسة لا تقاس بالنوايا بل بالنتائج ، ونتيجة "خفض الأشرعة" هي الوحيدة القادرة على إبقاء العراق واقفاً وإبعاد المنطقة عن شبح الانفجار .