الكاتب : النهار
التاريخ: ٠١ يوليو-٢٠٢٦       4510

بقلم: عيسى المزمومي

يقول الدكتور السعودي الراحل غازي القصيبي: «خلال أربع سنوات في الرياض لم أقبل إلا قرابة عشر دعوات على شرفي». وهي عبارة تبدو، للوهلة الأولى، عابرة، لكنها تختزل فهماً عميقاً للطبيعة الإنسانية، ولعلاقة المجتمع بالمناصب. فالقصيبي، الشاعر والأديب والوزير والسفير، أدرك مبكراً أن كثيراً من العلاقات التي يصنعها المنصب لا تصمد أمام اختبار الزمن، وأن الإنسان قد يُحاط بالناس وهو في قمة السلطة، ثم لا يلبث، بعد مغادرتها، أن يكتشف أن ما بقي له هو أثره، لا لقبه! 
هذه الحقيقة تفتح باباً واسعاً للتأمل في مفهوم الذاكرة الجمعية؛ تلك الذاكرة غير المكتوبة التي تحفظ أسماءً وتمحو أخرى، لا لأنها شغلت أعلى المناصب، بل لأنها تركت أصدق الأثر. فالذاكرة الجمعية لا تعمل بمنطق الأرشيف الرسمي، وإنما بمنطق الضمير الإنساني؛ فهي لا تحفظ عدد القرارات التي وقّعها المسؤول، بل تحفظ كيف تعامل مع الناس، وكيف أنصف المظلوم، وكيف فتح بابه قبل مكتبه، وقلبه قبل صلاحياته.
 ولعل أعظم وهم يقع فيه بعض المسؤولين هو اعتقادهم أن المنصب يمنحهم الخلود. والحقيقة أن المنصب لا يمنح أكثر من سلطة مؤقتة، أما الخلود الحقيقي فلا تصنعه إلا الأخلاق، والعدل، وحسن الإدارة، والإخلاص في خدمة الناس. فالكرسي لا يصنع الإنسان، وإنما يكشف معدنه؛ فمن كان كبيراً قبل المنصب ازداد رفعةً به، ومن كان صغيراً في داخله لم تنفعه الألقاب مهما طالت.
ولذلك فإن الإنسان لا يحزن دائماً على فقدان المنصب، بقدر ما يحزن على فقدان الصورة التي رسمها لنفسه من خلاله. فهو لا يفتقد المكتب، بل يفتقد ازدحام الزوار، ولا يشتاق إلى التوقيع، بل إلى النفوذ الذي كان يمنحه ذلك التوقيع. إنها لحظة يكتشف فيها أن كثيراً من الأصوات التي كانت تملأ حياته لم تكن تناديه هو، بل كانت تنادي المنصب الذي يحمله.
وهنا تتجلى حكمة الزمن؛ فهو الكفيل بإعادة كل إنسان إلى حجمه الحقيقي. فبعد أن تُطوى الملفات، وتُزال اللوحات عن الأبواب، لا يبقى إلا السؤال الذي لا يستطيع أحد الهروب منه: ماذا تركت خلفك؟ وهل سيرد الناس سيرتك بالدعاء، أم بالصمت، أم بالحسرة؟! 
ولذلك فإن المسؤول الحقيقي لا يقيس نجاحه بعدد سنوات بقائه في المنصب، وإنما بحجم الأثر الذي يتركه بعد مغادرته. فالتاريخ لا يحصي مدة البقاء، بل يحصي قيمة العطاء. وقد رأينا، عبر السنين، أسماءً غابت عن المناصب، لكنها بقيت حاضرة في وجدان الناس؛ لأن حضورها كان حضور قيمة، لا حضور سلطة.
وعندما نتأمل واقع المؤسسات اليوم، نجد أن الدولة، بقيادة حكومتنا الرشيدة، قطعت أشواطاً كبيرة في تطوير الخدمات، والتحول الرقمي، وتيسير الإجراءات، حتى أصبحت المملكة نموذجاً متقدماً في كثير من المجالات. ومع ذلك، فإن بعض الجهات لا تزال بحاجة إلى مراجعة مستمرة؛ لأن البيروقراطية وبطء الإنجاز قد يحجبان جمال المنظومة ويؤثران في جودة التجربة. فالمؤسسة لا تُقاس بلوائحها وحدها، وإنما بقدرتها على تحويل تلك اللوائح إلى خدمة كريمة تحفظ وقت الإنسان وكرامته! 
وفي المقابل، تبرز شخصيات استطاعت أن تجعل المنصب وسيلةً للعطاء لا غايةً له. ومن بين هذه النماذج يبرز معالي وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، الشيخ الدكتور عبداللطيف بن عبدالعزيز آل الشيخ، الذي ارتبط اسمه لدى كثير من المتابعين بالحزم الإداري، والحرص على أداء الأمانة، والانفتاح على هموم الناس، ومتابعة أعمال الوزارة بصورة مستمرة. وقد تعرض، كغيره من المسؤولين، للنقد والحملات الإعلامية والاختلاف في الرأي، وهو أمر طبيعي في العمل العام، إلا أن حضوره ظل مرتبطاً بما يقدمه من عمل، لا بمجرد المنصب الذي يشغله.
فالناس لا يتذكرون المسؤول لأنه جلس على الكرسي، وإنما لأن الكرسي اكتسب قيمةً بوجوده. وهناك فرق شاسع بين من يخدم المنصب، ومن يجعل المنصب في خدمة الوطن والمواطن. فالأول يرحل فيرحل معه كل شيء، أما الثاني فيغادر ويبقى أثره حياً في ذاكرة الناس! 
إن  الذاكرة الجمعية  أكثر عدلاً مما نظن. قد تتأخر في إصدار أحكامها، لكنها نادراً ما تخطئ في النهاية. فهي تمنح الخلود لمن يستحقه، لا لمن طلبه. وقد تنسى صاحب الضجيج سريعاً، لكنها لا تنسى صاحب الإنجاز الصامت. فالناس قد يختلفون في تقييم القرارات، لكنهم يجتمعون غالباً على احترام الإنسان الذي عاملهم بإنصاف، وحفظ كرامتهم، وأخلص في أداء مسؤوليته.
 ومن هنا، فإن الحزن الحقيقي ليس على المنصب، بل على العمر الذي قد يمضي دون أن يترك صاحبه أثراً يستحق الذكر. فالمناصب مراحل عابرة، أما القيم فهي الباقية. والألقاب تسقط بانتهاء التكليف، لكن السيرة الحسنة تظل تتناقلها الألسن جيلاً بعد جيل.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل مسؤول على نفسه قبل أن يغادر مكتبه: عندما ينتهي كل شيء، هل ستتذكرني  الذاكرة الجمعية  لأنني كنت صاحب منصب، أم لأنها رأت فيّ إنساناً خدم وطنه بإخلاص، واحترم الناس، وترك وراءه أثراً لا يمحوه الزمن؟! 
ذلك هو الامتحان الحقيقي لكل منصب، وذلك هو الفرق بين من عاش للكرسي، ومن جعل الكرسي وسيلةً لصناعة أثرٍ يبقى بعد رحيله!