الكاتب : النهار
التاريخ: ٠١ يوليو-٢٠٢٦       3795

وائل العتيبي – الرياض-النهار

لم تعد الآثار في المملكة تُقرأ بوصفها شواهد صامتة على الماضي، بل غدت سجلًا حيًا لذاكرة المكان، وركيزةً لترسيخ الهوية الوطنية، وأحد أهم روافد الاقتصاد الثقافي الذي تراهن عليه المملكة في مستهدفات رؤية السعودية 2030. ومن هذا المنطلق، احتضن نادي صوان التراث في مركز  سرد  الثقافي أمسية بعنوان «رؤية حول مستقبل العمل الميداني الأثري في المملكة»، تجاوزت حدود الطرح الأكاديمي لتفتح نقاشًا حول مستقبل علم الآثار ودوره في قراءة التاريخ وصناعة المستقبل.

وتحدث في الأمسية أستاذ الآثار وعضو مجلس الشورى الأستاذ الدكتور علي إبراهيم الغبان، الذي قدّم قراءة استندت إلى خبرة علمية وميدانية امتدت لعقود، عاصر خلالها التحولات الكبرى التي شهدها قطاع الآثار في المملكة، منذ البدايات الأولى لأعمال التنقيب، وصولًا إلى الحضور السعودي في المحافل الدولية وتسجيل عدد من المواقع على قائمة التراث العالمي.

وأدارت اللقاء الدكتورة تهاني المحمود، بحضور نخبة من الباحثين والمهتمين بالتراث والثقافة، في مشهد يعكس تنامي الوعي المجتمعي بقيمة الآثار، بوصفها جزءًا من المشروع الثقافي الوطني، لا مجرد حقل أكاديمي متخصص.

واستعرض الغبان التحولات التي يشهدها العمل الميداني، مؤكدًا أن عالم الآثار لم يعد يعتمد على أدوات التنقيب التقليدية وحدها، بل أصبح يعمل ضمن منظومة علمية متكاملة توظف تقنيات الاستشعار عن بُعد، ونظم المعلومات الجغرافية، والذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، بما يتيح قراءة أكثر دقة لتاريخ الإنسان والمكان.

واكتسبت الأمسية أهمية خاصة انطلاقًا من تجربة الغبان، الذي أسهم في رسم ملامح قطاع الآثار السعودي عبر مناصب قيادية شغلها في الهيئة العامة للسياحة والآثار، وإشرافه على برامج وطنية لحماية التراث الحضاري، ومشاركته في مشاريع للتنقيب والتوثيق أسهمت في إبراز الجزيرة العربية بوصفها إحدى أهم الحواضن الحضارية في التاريخ الإنساني.

كما تناولت الأمسية التحديات التي تواجه مستقبل العمل الأثري، وفي مقدمتها إعداد جيل جديد من علماء الآثار، وتطوير البحث الميداني، وتحويل المواقع التاريخية إلى منصات للبحث العلمي والتعليم، إلى جانب تعزيز دورها بوصفها موردًا ثقافيًا واقتصاديًا مستدامًا.

وأكدت الأمسية الدور الذي يضطلع به مركز  سرد  الثقافي في إثراء المشهد الثقافي، عبر تنظيم لقاءات معرفية تفتح جسور الحوار بين الأكاديميين والمجتمع، وتعيد تقديم قضايا التراث والهوية بوصفها جزءًا من مشروع التنمية الثقافية الشاملة.

واختُتمت الأمسية برسالة واضحة مفادها أن حماية الآثار ليست حفظًا لأحجار صامتة، بل صونٌ لذاكرة وطن، واستثمارٌ في هويته، وبناءٌ لجسر يصل الماضي بالمستقبل. فكل موقع أثري يُكتشف يضيف صفحة جديدة إلى السردية الوطنية، وكل أثر يُصان يعزز حضور المملكة بوصفها أرضًا عريقة الجذور، تمتلك تاريخًا يوازي طموحها في صناعة المستقبل.