الكاتب : النهار
التاريخ: ٣٠ يونيو-٢٠٢٦       5170

بقلم- عبدالمحسن محمد الحارثي

يُنسب إلى نابليون بونابرت قوله: "سياسة الدول تكمن في جغرافيتها". ولعل هذه العبارة تختصر المشهد كله حين نتحدث عن مضيق هرمز؛ ذلك الممر البحري الضيق الذي تجاوز حدوده الجغرافية ليصبح أحد أهم مفاتيح الاقتصاد العالمي، حتى غدا أي تغيير في قواعده شأناً يتجاوز الإقليم إلى العالم بأسره.

ومن هنا ؛ فإن أي حديث عن فرض جبايات أو رسوم جديدة على السفن العابرة للمضيق لا يمكن النظر إليه بوصفه إجراءً مالياً عابراً، بل بوصفه سابقة قد تدفع العالم إلى إعادة التفكير في قواعد العبور التي استقرت عليها التجارة الدولية لعقود طويلة.

فالسياسة الدولية لا تقوم على المصالح وحدها، بل على مبدأ المعاملة بالمثل أيضاً. 
وإذا أصبح فرض الرسوم على ممر دولي أمراً مقبولاً أو قابلاً للتوسع ؛ فقد تجد دول أخرى في ذلك مبرراً لإعادة تقييم سياساتها تجاه الموانئ والممرات البحرية والأجواء والمنافذ التي تقع تحت سيادتها.

وعندها ؛ لن تبقى القضية محصورة في البحر وحده؛ فدروب البر، وأجواء السماء، وحتى شبكات الاتصالات والكابلات البحرية التي تربط العالم ببعضه ؛ قد تصبح جزءاً من معادلة جديدة عنوانها: من يملك الممر يملك ورقة التأثير.

والأخطر من ذلك أن مثل هذه التحولات لا تتوقف عند حدود الجغرافيا، بل تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي كله. 
فارتفاع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة لا يبقى حبيس الأسواق، وإنما يتحول في النهاية إلى فاتورة يدفعها المنتج والمستهلك على حد سواء.

كما أن الجغرافيا، مهما منحت أصحابها من أوراق قوة ؛ لا تعمل في اتجاه واحد. فمن يمتلك مضيقاً اليوم ؛ قد يحتاج غداً إلى أجواء الآخرين وموانئهم وممراتهم، ولذلك ظل مبدأ المعاملة بالمثل إحدى الحقائق الراسخة في العلاقات الدولية.

غير أن التاريخ يثبت أيضاً أن الضغوط تخلق البدائل، وأن الجغرافيا، مهما بدت حاكمة، ليست قدراً نهائياً. 
فحين تزداد المخاطر في ممرٍ ما ؛ تبدأ الدول في البحث عن طرق أخرى تقلل الاعتماد عليه وتخفف من كلفته الاستراتيجية.

وقد شهدت المنطقة نموذجاً مبكراً لذلك في خط الأنابيب السعودي الممتد من الخليج العربي إلى ساحل البحر الأحمر عبر ينبع، والذي وفر منفذاً بديلاً لتصدير النفط بعيداً عن بعض نقاط الاختناق البحرية. 

ومن يدري؟ فلعل السنوات المقبلة تشهد ولادة مشاريع جديدة، من خطوط أنابيب وممرات برية وموانئ بديلة، تعيد رسم خرائط الطاقة والتجارة في المنطقة والعالم.

فالأفكار في عالم الاقتصاد والجغرافيا السياسية لا تموت، بل تبقى حبلى بالبدائل كلما ازدادت التحديات، والتاريخ يقول : إن الممرات حين تتحول إلى أدوات ضغط ؛ تبدأ الخرائط في البحث عن طرق أخرى.

إن ما يجري في هرمز ؛ ليس مجرد نقاش حول رسوم عبور محتملة، بل سؤال أكبر يتعلق بمستقبل النظام التجاري العالمي: هل تبقى الممرات الدولية فضاءات مفتوحة للمصالح المشتركة، أم تتحول تدريجياً إلى أدوات للضغط والجباية والمساومة السياسية؟

وربما تكون هذه هي الحقيقة الأهم: أن الشرارات الكبرى كثيراً ما تبدأ من نقاط صغيرة على الخريطة، ثم تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من حدودها.

فالجغرافيا نعمة لأصحابها، لكنها تصبح عبئاً على العالم عندما تتحول من جسرٍ للعبور إلى بوابةٍ للجباية؛ وعندما تضيق الممرات ؛ تشرع الأمم في رسم خرائط بديلة.