بقلم- براك البلوي
كان لقائي الأول بالدكتورة عائشة يحيى عثمان الحكمي في معرض الكتاب بالرياض عام 1430هـ، حين كانت توقّع مجموعتها القصصية الجميلة «في ركن عينيه قررت أن أحب»، وقد أهدتني نسخة منها ما زلت أحتفظ بها تقديرًا لتلك اللحظة الأولى. ثم تجدد اللقاء بعد أعوام في مؤتمر الأدباء بحائل، وأحسبه كان في عام 1445هـ، حيث أهدتني كتابها النقدي القيّم «تعالق السيرة مع الرواية»، وهو عمل يكشف عمق اشتغالها المعرفي وثراء تجربتها النقدية.
وكان آخر لقاء قريبًا، قبل نحو شهرين، في معتزلات الكتابة بالعلا، حيث كانت ضمن مجموعة من الكاتبات والكتاب في معتزلات الكتابة، منهمكة في مشروع روائي بدأ أقرب إلى السيرة الروائية، تتابعه بشغف الباحثة ودأب المبدعة. هناك رأيت عن قرب ما عُرفت به من دماثة الخلق، وطيب المعشر، ونبل الأصل والمعدن.
ومن المواقف التي لا تغيب عن الذاكرة أننا كنا في مقر إقامتنا بمركز بانجيا وسط النخيل الكثيفة حين قدم الدكتور منصور صالح العرادي البلوي ضيافة لنا مشكورا ، وأحضر لنا وليمة كريمة في مقر إقامتنا. عندها أصرت الدكتورة عائشة، رحمها الله، على أن تتكفل بوليمة أخرى لأعضاء المعتزل ، في صورة تعكس سخاء نفسها وكرمها الفطري. وحين بينت لها أن ما قام به الدكتور منصور يعد ضيافة منه كونه من أهل العلا واعتبرنا ضيوف لديه، وأننا لا نريد أن نكلف عليها، لم تقتنع بسهولة، وظلت متمسكة برغبتها الكريمة حتى اضطررت إلى حسم الأمر وإغلاق النقاش.
وفي الجانب الأدبي والعلمي، أفدنا منها كثيرا، ولا سيما في موضوع الرواية وعلاقتها بالسيرة، إذ كانت تمتلك رؤية نقدية ناضجة وخبرة معرفية ثرية، وتشارك علمها بمحبة وتواضع.
واليوم ننعى الأكاديمية والأديبة الخلوقة الأستاذة الدكتورة عائشة يحيى عثمان الحكمي أستاذة النقد والأدب في جامعة تبوك سابقآ، التي وافتها المنية مساء أمس الأحد ١٤/٦/٢٠٢٦ بعد رحلة حافلة بالعطاء العلمي والأدبي والإنساني. رحمة الله عليها رحمة واسعة، وأسكنها فسيح جناته، وألهم أهلها وذويها ومحبيها الصبر والسلوان.
لقد رحلت قبل أن تُتم كثيرا من المشاريع والأحلام التي كانت تعمل عليها، لكن تلك سنة الحياة؛ فالأعمار بيد الله، ويبقى أثر الإنسان فيما قدّم، وتبقى ذكراه الطيبة في قلوب من عرفوه. رحم الله عائشة الحكمي، وجزاها خير الجزاء لما قدمت للعلم والأدب ونذرت نفسها لرسالة نبيلة لخدمة هذا الوطن وللإنسان والعلم على حد سواء.