حاوره: نورة محمد بابعير ـ النهار
لا تصنع التجارب الإنسان وحدها، بل تصنع الطريقة التي يقرأ بها تلك التجارب ويعيد تشكيلها في فكره وعمله.
هكذا يبدو الدكتور إبراهيم عبدالرحمن التركي؛ أديباً وكاتباً وإعلامياً، وهو من أحد الأسماء البارزة في الإعلام السعودي، جمع بين الإدارة والثقافة، وبين الخبرة والمعرفة، فكوّن هوية خاصة انعكست في مؤلفاته ومسيرته المهنية .
بين الاختيار والإدارة…
س / لكل إنسان سرُّ صنعة يميزه مع الوقت، وبين التجربة والموهبة تتشكل ملامحه، فما سرُّ صنعة الدكتور إبراهيم التركي الذي كلما عاد إليه اكتشف نفسه من جديد؟
ج/لعل الأمر الذي أستطيع الجزم به هو أنني لا أعرف الأسرار ولا أرتضي الأسوار في مسارات العمل سواءٌ أكان إعلاميًا أم إداريًا أم اجتماعيًا ليتضاءل نطاقه في أدنى مساحة تختص بالأسرة والأصدقاء وما في حكمهما، أما التجربة فتراكمت عبر الزمن، وأما الموهبة فما أظن أن لديّ شيئًا منها كي أكتشف نفسي أو أُثمِّن نفيسي، وتوفيق الله وتيسيره قاداني إلى مساحات لم أسع إليها ولم أخطط من أجلها، ولا أدري هل غادرتُ خط البداية كما لا علم لي أين هو خط النهاية، وللتدليل فقد عملت في معهد الإدارة، ومؤسسة الجزيرة الصحفية، وفي القطاع الأهلي وتدرجت في الوظائف، وكنتُرئيس قسم فمديرًا فمديرًا عامًأ فنائب رئيس فرئيس مجلس إدارةوسواها، وغادرت مواقعي ولم آخذ معي إلى منزلي ورقة واحدة أو ملفًا عمليًا، أو أتخلص من شيء منها، وتركتُ كل أوراق العمل وملفاتهفي أماكنها؛ فليست لديَّ أسرارٌ خاصةٌ، ولا أمور خفية أخشى الاطلاع عليها أو تسريبها أو إفشاءها.
س/بين الإدارة والثقافة تبدو المسافة بعيدة، لكنها تلتقي في صناعة الإنسان.. كيف التقتا في تجربتك، وأيهما كان يقود الآخر؟
ج/الثقافة اتجاهٌ ترفده الإدارة، مثلما أن الإدارة قد تتفوقُ إذا ساندتها الثقافة؛ فكلتاهما مدارٌ متصل لا تتشظى أجزاؤه عبر مكونات منفصلة وإنما يعبران بالمرء نحو عالم متصل، ولك أن تعلمي – أ. نورة – أن الإدارة سبقت الأدب في اختراق عوالم الحداثة وما بعدها دون صراعات ومن غير ضجيج، وهو ما يؤكد أننا في مسارات متوازية يفضي بعضُها إلى جميعِها بنواتج تجسّر المسافات وتوحد الهُويّات.
س/رئيس التحرير يقرأ النص بعين مختلفة عن الكاتب، فهل غيّرت مسؤولية التحرير علاقتك بالكتابة، أم أنها جعلتك أكثر وفاءً لصوتك الأول؟
ج/لم أمارس دور الرقيب طيلة عملي الإعلامي ولكني خضعتُ لمشارطه وتألمت من بعضها، والسبب هو أنني وجدت مهامي خلوًا من مسؤوليات الرقيب، واقتصر دوري على محاولة تجاوز اشتراطاته بتحمل المسؤولية النهائية حين يقرر الرقيبُ المنع فأسعى نحو المنح؛ مقتنعًا أن كل تجاوز مُدَّعَى لا يقفل الصحيفة يمكن التساهلُ فيه، وليبقى مجال المساءلة موقوفًا عندي؛ فأنا من يفسر ويبرر ويتصدى، ومضت الأعوام وما حُوسب كاتب أو شاعر أو سارد سواي، كما بقيت الصحيفة وتوهجت بفضل الله ثم باتساع الآفاق وردم الأنفاق.
س/يقال إن الإدارة تنظم الأفكار، بينما الأدب يتركها حر..كيف استطعت أن تعيش بين هذا العالمين دون أن يطغى أحدهما على الآخر؟
ج/الحرية فضاء إنساني لا يحتكره أديب أو إداري، وهو فضاء لا يحتمل الفوضى بل يبعث على الانطلاق، ولا يخضع للأسر بل يطالب بالانعتاق، وتبقى الثوابت في كليهما موحدةً في عدم المساس بالتوحيد الإلهي والوحدة الوطنية والسلم المجتمعي
حين تتحول الثقافة إلى ممارسة…
س/هناك من يكتب ليعبّر عن نفسه، وهناك من يكتب ليعيد تشكيل وعي الآخرين.. أين يجد الدكتور إبراهيم التركي مكانه بين هذين الطريقين؟
ج/صدقيني أ.نورة أنّ الكاتب الحقّ غيرَ الموجه لا يضع في ذهنه دورًا يمارسه أو يُراد له أن يمثله غير أن قلمه سار فصار، وليحكمْعليه من شاء بما شاء، أما من يتوهمون أدوارًا عظمى حققتها لهم الكتابة؛ أعبَّروا عن أنفسهم أم ترسموا دور المعلمين والمصلحين فإنهمأولُ من يصدقون أنفسهم وآخر من يصدقهم الناس، قد يكون لهم مريدون، وقد يتأثر يهم قليلون أو كثيرون إلا أن الكاتب الحر لا يدري قبل أن يكتب ما سيكون ولا يعنيه بعد ذلك سوى أنه استجاب لإيقاع ضميره وإملاءات تربيته وأخلاقه.
س/في معهد الإدارة العامة كنت قريبًا من بناء الكفاءات، وفي الصحافة قريبًا من صناعة الرأي.. أي التجربتين شعرت أنها تترك أثرًا أبقى في الإنسان؟
ج/معهد الإدارة مبتدأُ التكوين، والصحافة منعطف التلوين، وفيهما عملتُ مع أساتذة وتعلمت من خبراء وأفدتُ من المدرستين، وكنت في معهد الإدارة كاتبًا ولو لم يُطلب مني، كما صرت في الصحافة إداريًا ولو لم تكن من مهامي، ووفقت بينهما بتوفيق الله، وما زلت وسأظل مدينًا لهما.
س/هل يصنع الكاتب أفكاره، أم أن التجارب الإدارية والعملية هي التي تعيد تشكيل أفكاره قبل أن تتحول إلى نصوص؟
ج/من لا يصنع يتصنع، وأسوأُ الكُتاب هم المقلدون، وأعجز الإداريينهم المنفذون، والإبداعُ شرط في كلا التجربتين، ومتى استنسخ المرء نفسه أو غيرَه فلا قيمة له.
س/لديك عدة حضور في الندوات الأدبية، هل تعتقد أن المؤسسات الثقافية تصنع المبدعين، أم أن المبدعين هم من يمنحون المؤسسات روحها الحقيقية؟
ج/أظنني من أقل المساهمين في الندوات واللقاءات والمؤتمرات والمؤسسات الثقافية، وقبولي في المشاركة بشيء منها مرتهن بمعرفتي: ماذا سأقدم؟ ولماذا؟ وكيف؟ ومتى؟ وحين لا أجيب عن أي منها أعتذر شاكرًا؛ فلا أظنها صنعتني ولا أظنني منحتها.
الهوية التي تصنعها الثقافة …
س/بعد سنوات بين الإدارة والتحرير والكتابة و الإلقاء ، هل أصبحت تبحث عن الإجابة، أم أن قيمة الرحلة تكمن في استمرار السؤال؟
ج/يبقى السؤال ما بقينا، وإذا حضرت الإجابة حظرت التطلع، وفارق الضاد والظاء هو فارق الشك واليقين، وهما لا يلتقيان.
س/لو اختصرت كل هذه المسيرة في فكرة واحدة تود أن تصل إلى الجيل الجديد، فما الفكرة التي تستحق أن تبقى ؟
ج/قلتها وأعيدها: (ستحاسَب كلُّ نفسٍ بما كسبت وكلُّ يدٍ بما كتبت)؛ فاللهم يمّن كتابنا ويسر حسابنا.
س/النصيحة مثل الشجرة كلما تنمو تشبع الآخرين بثمارها ، ماهي نصيحة الدكتور إبراهيم التركي ؟
ج/لنكن أنفسَنا دون أن نَتبع أو نُتبع، وهي نصيحة لي قبل غيري فلم أرض أن أكون تابعًا ولا أريد لغيري أن يتبعوني.