الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٤ يونيو-٢٠٢٦       3630

بقلم ـ علي بن عيضة المالكي
يعيش كثير من الناس في دائرة مرهقة من التوقعات؛ يركضون خلف رضا الآخرين، ويقيسون قيمتهم بمدى القبول الذي يحصلون عليه، حتى يصبح تقدير الذات رهينة لما يريده الناس منهم لا لما يقدمونه من قيمة حقيقية. ومع مرور الوقت، تتحول هذه الرحلة إلى استنزاف عاطفي يلتهم الطاقة النفسية ويجعل الإنسان أسيرًا لنظرات الآخرين وأحكامهم المتقلبة.
فالحدود الشخصية ليست جدرانًا تعزلك عن الناس، لكنها خطوط واضحة تحفظ كرامتك ووقتك وطاقتك، وتحدد ما تقبله وما ترفضه في علاقاتك وتعاملك اليومي. كثير من الأشخاص يعانون من الاستنزاف الذاتي ليس بسبب كثرة المسؤوليات فحسب، أيضا بسبب غياب الحدود الواضحة.
من أهم مهارات بناء الحدود الداخلية القدرة على إبداء الرفض عندما يستدعي الموقف ذلك. أعني به الرفض المهذب الذي لا يعني أبدًا قلة الاحترام، بيد أنه يعبر عن وعي الإنسان بقدراته ووقته. فقبول كل الطلبات قد يجعل الشخص محبوبًا لبعض الوقت، لكنه قد يجعله منهكًا على المدى البعيد.
نقطة مهمة ضرورية يجب التنبه لها هي ألا تسمح للآخرين بتحديد قيمتك بناءً على آرائهم أو أحكامهم. فالاستماع للنقد المفيد أمر محمود، أما تحويل آراء الناس إلى مقياس دائم لتقدير الذات فهو باب واسع للقلق والتردد.
إن النضج العاطفي يبدأ حين يدرك الإنسان أن قيمته لا يمكن قياسها بحجم التصفيق الذي يتلقاه، ولكن بما يقدمه من أثر نافع، وما يحمله من مبادئ راسخة، وما ينجزه من أعمال ذات معنى. فالمجتمعات بطبيعتها متغيرة، والناس تختلف رغباتهم وتوقعاتهم، ومن يحاول إرضاء الجميع يجد نفسه في معركة خاسرة منذ البداية. لهذا كان العقل الواعي أكثر ميلًا إلى التركيز على الرسالة بدلاً من الانشغال بردود الأفعال.
إننا نعتقد بأن العيش بعقل لا يعني إلغاء المشاعر، وإنما يمنحه حقه في القيادة. فالمشاعر قد تتأثر بموقف عرضي أو كلمة قاسية أو نقد غير منصف، بينما يمتلك العقل القدرة على رؤية الصورة كاملة. كما وأن الإنسان حين يتعلم كيف يراجع الأحداث بعين الحكمة لا بعين الانفعال، يصبح أكثر قدرة على اتخاذ القرارات الصحيحة، وأقل عرضة للتقلبات النفسية التي تصنعها المواقف اليومية، فمتى ما عرف الإنسان حدوده أصبح أكثر هدوءًا في قراراته، وأكثر قدرة على العطاء، وأقل عرضة للاستنزاف والصراعات التي لا تضيف إلى حياته قيمة حقيقية.
ينبغي إدراك شيء مهم إذا ما أردنا التخلص من الأعباء والتقلبات المعنوية هو أنه يجب ألا يربط الإنسان قيمته بما يطلبه الآخرون منه. فإذا امتدحوه شعر بالرضا، وإذا انتقدوه شعر بالنقص، وإذا تجاهلوه ظن أن قيمته قد تراجعت. والحقيقة أن القيمة الحقيقية تنبع مما يقدمه الإنسان من علم أو عمل أو أخلاق أو إسهام إيجابي في محيطه. أما آراء الآخرين فهي مؤشرات يمكن الاستفادة منها، لكنها لا تصلح أن تكون المعيار الوحيد للحكم على الذات.
ثم إن التغلب على الإنهاك الشعوري يتطلب نموذجًا عمليًا يقوم على أربعة مرتكزات رئيسة. أولها: فهم الذات، لأن الإنسان الذي يعرف أهدافه وأولوياته أقل عرضة للتشتت خلف رغبات الآخرين. ثانيها: بناء الحدود الانفعالية التي تحدد ما يقبله وما يرفضه دون شعور بالذنب. ثالثها: إدارة التوقعات، فلا يحمل نفسه مسؤولية إسعاد الجميع أو حل جميع المشكلات. أما المرتكز الرابع فهو توجيه الطاقة نحو الإنجاز بدلاً من استهلاكها في متابعة ردود الأفعال والتفسيرات والظنون.
فكلما اتسعت دائرة الوعي لدى الإنسان، أصبح أكثر إدراكًا أن بعض المعارك لا تستحق الدخول فيها، وأن بعض الكلمات لا تستحق الرد عليها، وأن بعض الأشخاص لا يستحقون كل هذا الحضور في مساحة التفكير. هنا يبدأ التحرر الحقيقي من الإنهاك العاطفي، لأن العقل يتوقف عن منح الأحداث أكبر من حجمها الطبيعي.
مقابل ذلك فأصحاب الشخصيات المتزنة لا يبحثون عن قيمتهم في عيون الآخرين، غير أنهم يجدونها في ضمائرهم وأعمالهم ورسالتهم في الحياة. يفرحون بالتقدير حين يأتي، لكنهم لا ينهارون عند غيابه. يستفيدون من النقد حين يكون بناءً، لكنهم لا يسمحون له أن يهدم ثقتهم بأنفسهم. يدركون أن النجاح الحقيقي ليس في كسب رضا الجميع، بل في المحافظة على الاتزان النفسي والاستمرار في تقديم ما يؤمنون بقيمته.
هكذا حين يدرك الإنسان قيمه وأولوياته واحتياجاته، يصبح أكثر قدرة على التمييز بين ما يناسبه وما يرهقه. أما من يعيش لإرضاء الجميع، فإنه غالبًا ما يفقد جزءًا من راحته في سبيل الحصول على القبول.
إن بناء مساحة وجدانية آمنة لا أعتبرها رفاهية فكرية، إنما ضرورة للحفاظ على سلامة الإنسان من الاستهلاك والاستنزاف العاطفي. فكلما ارتفع مستوى الوعي، تراجعت مساحة الاستنزاف، وكلما عرف الإنسان قيمته الحقيقية، أصبح أكثر قدرة على العيش بعقل، والعمل برسالة، والعطاء دون أن يفقد نفسه في الطريق.
كما تتطلب ـ أيضًا ـ إدارة جيدة للمسافات العاطفية؛ فليس كل شخص يستحق الاطلاع على تفاصيل حياتك، وليس كل من يقترب منك مؤهلًا لأن يحمل أسرارك أو يؤثر في قراراتك. الحكمة تكمن في منح الثقة بقدر ما يستحقها الآخرين.
آخر القول:
مع مرور الوقت، ستكتشف أن الأشخاص الذين يحترمون حدودك هم الأكثر قدرة على بناء علاقات صحية معك، بينما ينزعج من حدودك أولئك الذين اعتادوا الاستفادة من غيابها.