الكاتب : النهار
التاريخ: ٣٠ مايو-٢٠٢٦       5720

بقلم ـ خالد بن يحيى القحطاني

في فيلم Groundhog Day، رجلٌ يستيقظ كل صباح ليجد نفسه في اليوم نفسه: المكان نفسه، الوجوه نفسها، المصادفات نفسها، كأنه يعيش وقتًا يرفض أن يتقدم.
الفكرة في ظاهرها حبكة سينمائية عن حلقة زمنية مغلقة، لكنها في الحقيقة تحمل عمقًا فلسفيًا يبدأ من سؤال:
[ ماذا لو لم يكن الزمن هو الذي يتكرر، بل الإنسان؟ ]
الفيلم، من إخراج هارولد راميس عام 1993 وقام ببطولته بيل موراي، ويحكي عن مذيع طقس ساخر يجد نفسه سجينًا في يوم واحد يتكرر بلا نهاية، إلى أن يتحول تدريجيًا من رجل متمركز حول ذاته إلى إنسان أكثر إصغاءً للحياة ومعانيها.
الفيلم لا يتمركز حول سؤال: كيف نهرب من يوم مكرر؟ بل حول أسئلة أعمق: ما الذي نحمله في داخلنا فيجعل الأيام تتشابه؟ وما الذي لم نتعلمه بعد حتى تعود الحياة إلينا بالدرس نفسه، في شكل آخر، ومكان آخر، وخيبة أخرى؟
كثير من التكرار الذي نشعر به في حياتنا لا يأتي من طبيعة الزمن، بل من ضعف الانتباه والاستجابة. فالإنسان قد يغيّر المكان، والعمل، والعلاقات، والوجوه، ومع ذلك يبقى أسيرًا لطبعه وذاته: الخوف نفسه، الغرور نفسه، ردّة الفعل نفسها، والطريقة ذاتها في الهروب من المواجهة. يظن أنه بدأ فصلًا جديدًا، بينما هو يكتب بالقلم القديم ذاته على صفحة أخرى.
الفيلم يجسد شيئًا من حكمة فيكتور فرانكل في كتابه Man’s Search for Meaning؛ إذ يرى أن الحرية الحقيقية للإنسان لا تكمن دائمًا في القدرة على تغيير الظرف، بل في اختيار الموقف منه. فالمعنى قد يولد من الألم حين يُستقبل بوعي ومسؤولية. لذلك لا يتحرر الإنسان بمجرد أن تتغير عناصر الحياة حوله، بل حين تتغير طريقته في فهمها.
التكرار بهذا المعنى لا يُعد دائمًا مشكلة، بل قد يكون وسيلة للحياة كي توقظ فينا ما رفضنا فهمه من المرة الأولى [ فالخطأ الذي يعود ليس مجرد سوء حظ، والعلاقة التي تتعثر بالطريقة نفسها ليست مصادفة عابرة، والقرار الذي يقود إلى النتيجة ذاتها ليس قدرًا غامضًا؛ بل إشارات إلى أن السلوك لم يتغير، وأن الوعي لم ينتقل بعد من الوقوف على النتيجة إلى تشخيص السبب ].
والفرق كبير بين أن يعرف الإنسان، وأن يتعلم. المعرفة قد تكون أرشيفًا ناعمًا، أما التعلم فهو أثر داخلي يغيّر صاحبه. قد يعرف الإنسان أنه يكرر خطأه، وقد يحفظ مفردات الحكمة، لكنه في اللحظة الحاسمة يستجيب بالطريقة القديمة نفسها. ولذلك تبدو المشكلة أحيانًا ليست في غياب المعلومة، بل في عجزها عن التحول إلى سلوك.
عند هذه الفكرة تكتسب العادة معناها العميق. فالعادات ليست أفعالًا صغيرة محايدة، بل هندسة خفية للحياة، وما يتكرر في السلوك يتحول مع الوقت إلى مصير. وقد عبّر جيمس كلير في Atomic Habits عن هذا المعنى بعبارته الشهيرة: “لا ترتقي إلى مستوى أهدافك، بل تهبط إلى مستوى أنظمتك”. والمعنى أن الرغبات الكبرى لا تكفي إن كانت الأنظمة اليومية، والعادات الصغيرة، والبيئة المحيطة، تعيد إنتاج النتيجة القديمة.
لهذا لا يكفي أن يقول الإنسان: أريد حياة مختلفة. عليه أن يسأل: ما النظام اليومي الذي يصنع حياتي الحالية؟ ما العادة التي تسرق انتباهي؟ ما الاستجابة التلقائية التي تعيدني إلى النقطة نفسها؟
[ الغد لا يصبح جديدًا بمجرد أن يتغير التاريخ، بل حين تتغير الاستجابة التي نستقبل بها ذلك الغد ].
هذه الفكرة لا تقتصر على الأفراد، بل تنطبق أيضًا على الكيانات. فهناك كيانات لا ينقصها النشاط، لكنها تعيش يومًا متكررًا: اجتماعات، لجان، مؤشرات، وشعارات، لكن العقل الذي يدير المشهد لم يتغير؛ تحسنت اللغة ولم يتحسن السلوك.
وهنا يظهر الفرق بين إصلاح الخلل وتشخيص جذوره. ففي أدبيات التعلم التنظيمي، ميّز كريس أرجيرس ودونالد شون بين التعلم أحادي الحلقة، الذي يكتفي بتعديل الأفعال عند ظهور الفجوة بين النتائج والمتوقع، والتعلم ثنائي الحلقة، الذي يذهب أعمق ليسأل عن الافتراضات والقواعد والقيم التي صنعت الفعل ابتداءً.
بمعنى آخر: المؤسسة التي تراجع النتائج فقط قد يتحسن أداؤها مؤقتًا، لكنها قد تظل داخل اليوم نفسه. أما المؤسسة التي تراجع افتراضاتها، وطريقة اتخاذ القرار، وصورة المستفيد في وعيها، وعلاقتها بالخطأ، فهي المؤسسة التي تملك فرصة الخروج من الحلقة وبناء قيمة مؤسسية أكثر رسوخًا؛ لأن التحول الحقيقي لا يبدأ من تغيير النماذج، بل من تغيير طريقة النظر.
وهذا يفسر عمق عبارة بيتر سنج في The Fifth Discipline: “مشكلات اليوم تأتي من حلول الأمس”. فليست كل مشكلة نتيجة إهمال مباشر؛ بعضها نتيجة حلول نجحت في زمن سابق، ثم تحولت مع تغير السياق إلى إشكالية جديدة. ولذلك فإن المؤسسة الناضجة لا تقدّس حلولها القديمة، بل تفحصها بشجاعة؛ لأن ما كان دواءً في مرحلة قد يصبح قيدًا في مرحلة أخرى.
إن الحكمة التي يلمّح لها فيلم Groundhog Day ليست أن نصبح أشخاصًا مثاليين، ولا أن نكسر روتين الزمن، بل أن ننتبه: أن نرى ما كنا نمر عليه بلا وعي، وأن ندرك أن العمل ليس مجرد إنجاز مهام، وأن المؤسسات لا تتغير بكثرة الحركة إذا ظلت تفكر بالطريقة نفسها.
في النهاية:
[ الخروج من اليوم المتكرر لا يكون بالهروب من الواقع، بل بالانتباه إلى ما يصنع الواقع، وغداً لا يبدأ عند الثانية عشرة صباحًا، بل حين تتغير في داخلنا الاستجابة، وحين يصبح الإنسان أكثر وعيًا بما يفعل، وكيف يفعل ، وحين يصبح أكثر شجاعة في مراجعة نفسه. عندها فقط يتحرك الزمن ].