الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٦ مايو-٢٠٢٦       2805

بقلم - غازي العوني

حين يغيب صوت الرعد يبقى أثر المطر في الأرض، وحين تنطفئ الأضواء يبقى نور الفعل الطيب في قلوب الناس. هكذا أنت أيها المسلم. لست ما تقوله عن نفسك. أنت ما يراه الناس فيك الآن، وما يذكرونه عنك في حضورك وغيابك، وما يشعرون به إذا مروا بطريقك فوجدوه أهدأ وأطيب.

إن كنت إشارة خير في درب الناس، فيزيد فضلاً أن يكون هذا النور من إسلامك. فالإشارة وحدها تزول، أما الإسلام فهو الأصل الثابت الذي لا ينطفئ. أن الله جعلك رسالة خير في أرضه، وجعلك شاهداً على دينه بأخلاقك قبل كلامك. فقبل أن يسمعوا عن تدينك سيرون خلقك، وقبل أن يقرأوا عن رحمتك سيشعرون بها في كلمة طيبة، في نظرة رفق، في موقف لا يُنسى.

الناس تختلف ألسنتهم وطباعهم، لكن لغة الخلق يفهمها الجميع. الصادق يُعرف ولو سكت، والكريم يُعرف ولو لم يعلن، والمتواضع يرتفع ولو لم يطلب. لهذا قال أهل مكة عن النبي ﷺ "الصادق الأمين" قبل أن ينزل عليه الوحي. لم يكن قد خطب فيهم، لكنه كان خلقاً يمشي بينهم. إذا وعد أوفى، وإذا اؤتمن أدى، وإذا خاصم لم يظلم. فسبق أثره صوته، وسبقت سيرته دعوته.

الدنيا طريق ونحن عابرون عليه. بعض الناس يمر فلا يترك أثراً، وبعضهم يترك أثراً يبقى. أثرك قد يكون ابتسامة لمتعب، أو يداً تمتد قبل أن تُطلب، أو كلمة تطيب جرحاً، أو سكوتاً يستر زلة. هذه الأشياء الصغيرة تكبر في ذاكرة الناس.  
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: قيمة كل امرئ ما يحسنه. فليست العبرة بكثرة الكلام، بل بإتقان الفعل وصدق الأثر.  
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم. فكان يرى أن العدل مع النفس قبل العدل مع الناس هو الذي يبقي الأثر بعد الصوت. وقال عمر بن عبد العزيز: ما رأيت شيئاً أحسن من خلق حسن مع رحمة فجمع بين جمال الظاهر ورقة الباطن، فبقي ذكره حياً بفعله.

فإذا أردت أن تكون سفيراً صادقاً لدينك، فاجعل حياتك تفسيراً عملياً للقرآن. كان النبي ﷺ خلقه القرآن، وكان أصحابه من بعده كذلك. اسأل نفسك: إذا قرأ الناس سيرتك، أي آية سيجدونها فيك؟ هل سيجدون "وقولوا للناس حسناً"؟ هل سيجدون "والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس"؟ هل سيجدون "إن الله يأمر بالعدل والإحسان"؟ حين تكون أفعالك جواباً لهذه الآيات، لن تحتاج إلى منبر ليتكلم عنك الناس، لأن خلقك سيكون هو الخطيب.

وحينها سيعرفك الكون دون أن تناديه. سيعرفك لأنك أنرت موضعاً كان مظلماً، ورفعت رأساً كان منكسراً، ومسحت دمعة لم يرها أحد غيرك.

فامشِ في الأرض هيناً ليناً يا من حملت أمانة الخلق. وتذكّر قول نبيك ﷺ: إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق فكن على قدر هذه الوصية، وليقل الناس من بعدك: مرّ من هنا مسلم صدّق ما قال، فصدّق الناس فيه ما رأوا.