بقلم - مصعب الغامدي
الإنسان رسم قبل أن يدوّن، وغنّى قبل أن يؤرّخ، ورقص قبل أن يبسط المُدن.. ارتبط بالفن وكان الفن أوّل وسيلة تفاوض بها الإنسان مع مشاعره.. فـ حين فقد موتاه، اخترع المراثي. وحين أحبّ، استعار الناي.. وحين شقى، رقص على المسرح! لهذا تبدو الفنون الكبرى دائمًا قريبة من الناس حين تولد في بيئتهم، فـ أكثر ما يلفت النظر في تاريخ الفنون أن الأعمال التي عبرت العالم لم تحاول التشبّه بالعالم.. إنما بقيت وفيّةً لبيئتها الأولى.. فمثلًا الفلامنكو الإسباني لم ينجح لأنه تخلّى عن أندلسيته، والجاز الأميركي لم يرتبط بالهدوء في كل القارات لأنه تبرّأ من شوارع السود وآلامهم، والأغنية اليابانية القديمة لم تصبح عالمية لأنها استعارت لغة أخرى، فقط لإنها كلها كانت إنسانية إلى الحدّ الذي جعل الإنسان، أي إنسان، يشعر بصدقها.. وهنا تكمن المفارقة التي يتجاهلها كثير من مرتادي الفن الحديث،، يذكر المؤرخ الفرنسي جورج سادول أن العمّال في بدايات القرن العشرين كانوا يخرجون من المصانع ليدخلوا قاعات السينما الرخيصة.. وبذلك التصقت السينما مبكرًا بالحب والفقد والذاكرة والأمومة والشارع والحروب؛ لذا الغريزة الطبيعية تقول أن الإنسان يذهب إلى الفن ليشعر أن حياته مفهومة.
ومن هنا يبدو غريبًا ذلك القلق المعاصر الذي يدفع بعض الفنون إلى إزالة ملامحها المحلية كي تصبح “صالحة للعالم، وانقلوها من صديقكم الرقيق الصغير ((العالم لا يقع في حبّ النسخ المتشابهة)). ولا يعيش طويلًا سوى الاعمال هي التي تحمل رائحة المكان الذي خرجت منه. حين كتب نجيب محفوظ عن الحارات المصرية الضيقة، لم يفكر بالقارئ السويدي أو الياباني، ومع ذلك تواجد السويدي و العالم كلّه داخل تلك الأزقة. وكذلك عادل إمام؛ حين انحاز في فنه للإنسان البسيط وتحدث بلسانه!!
لقد أخطأت الحداثة الثقافية أحيانًا حين تعاملت مع الفن بهذه الرسمية.. بينما الفن، في أصله الأول، من "منظوري الشخصي" كان دائمًا يحمل شيئًا من الفوضى الإنسانية: خشونة الصوت، ارتجاف الفرشاة، لهجة المكان، تلعثم اللسان، تنفّس المغنّي، شجر الوطن، ضحكة العازف، حيوانات الحي،بكاء الراوي… تلك الأشياء الصغيرة هي التي جعلت الناس يشعرون أن الفن واحدٌ منهم،لا غريبًا عنهم،، ولعلّ الأزمة الثقافية الحديثة لدينا "بالقوة" تريد الركض نحو العالمية قبل أن تجلس معنا.. بينما التاريخ يقول شيئًا مختلفًا تمامًا: الأعمال التي بقيت، بقيت لأنها كانت تعرف بيتها أولًا.. لذا ببساطة؛ دامه عاطفي يحق لنا نفهمه بلغتنا ونعبر عنه بلهجتنا.