الكاتب : النهار
التاريخ: ١٣ مايو-٢٠٢٦       4125

بقلم- د.خالد الحمداني 
قراءة متأملة للتاريخ توضّح لنا بأنّ الدول المتعاقبة التي حكمت بلاد فارس وعلى الرغم من اختلاف نظامها السياسي إلا أنها  التزمت سياسة العدوان والتوسّع خصوصاً على حساب جيرانها العرب في الخليج العربيّ والبحرين وشرقيّ الجزيرة العربيّة راميةً من وراء ذلك التخريب  ونهب الخيرات والتوسّع  على مدار التاريخ؛ إذ أنّ الدول المتعاقبة التي حكمت بلاد فارس ومنها  الدولة الاخمينية الفارسية  واعتداءاتها المتكرّرة في الألف الأول قبل الميلاد ضد الخليج العربيّ والبحرين وشرق الجزيرة العربيّة ممّا أثر على استقرار المنطقة  وانعكس سلباً على  ازدهار وتجارة ديلمون .  ومنذ بدء التاريخ الميلادي استمرت دول بلاد فارس المتعاقبة في نهجها التوسّعي وحملاتها على حساب دول الخليج العربيّ ومنها الدولة الفرثية (البرثية) حيث شنّ ملوكها غزواتٍ متعدّدة مؤكّدين نهجهم التوسعي وسياسته الرامية لبناء إمبراطورية إقليميّة على حساب الخليج العربيّ.
وتصاعدت تلك الاعتداءات واتّضحت تلك السياسة بشكلٍ كبير مع نشأة وقيام الدولة الساسانية الفارسية في مطلع  القرن الثالث الميلادي ومع تصاعد  التنافس والصراع  بينهم وبين الروم في بسط نفوذهم في الشرق العربيّ بينما كان تركيز الفرس الساسانيين  في محاولاتهم لتعزيز سيطرتهم  على العراق ومد نفوذهم  في الخليج العربيّ والبحرين وشرقي الجزيرة العربيّة  حيث شهدت القرون الميلادية الممتدة من القرن الثالث حتى مطلع القرن  السابع عدداً كبيراً من تلك الاعتداءات ولعلّ أشهرها حملة كسرى  سابور ذي الأكتاف بحدود عام 525م  حيث جهّز جيشاً كبيراً وعبر به الخليج العربيّ  شانّاً بذلك اعتداءً كبيراً تجاه القبائل العربيّة  في شرقي الجزيرة العربيًة مستخدماً سياسة الأرض المحروقة حيث  إحراق المدن والنواحي  وطمر الآبار  وتخريب قنوات المياه، ولعلّ أبشع جرائمه  هي معاملته الوحشية  تجاه  الأسرى من أبناء القبائل العربيّة  حيث وثّقهم على جذوع النخل  وقتلهم بعد نقب وثقب أكتافهم  مسجلاً  بذلك بصمته السوداء في التاريخ البشري فاشتهر لدى المؤرخين العرب  باسم  سابور ذي الأكتاف .
بينما لم يقف أبناء القبائل العربيّة سكان الخليج  العربيّ وشرقي الجزيرة العربيّة  مكتوفي الأيدي أمام تلك الاعتداءات الوحشيّة ؛ بل على العكس حاولت القبائل العربيّة خصوصاً المستقرة في إقليم البحرين ونواحٍ أخرى في الجزيرة العربيّة تنظيم وتوحيد القتال محاولين التصدي بحزمٍ وصلابة تجاه تلك الاعتداءات، فمع مطلع التاريخ الميلاديّ بادر سكّانها من القبائل العربيّة المستقرة فيها لتنظيم شؤونهم وتوحيد مواقفهم وجهودهم، والتعاون والتكاتف من خلال عقد أحلاف قبليّة؛ حيث اجتمعت عدّة قبائل منها الأزد وقضاعة وبني لخم ونمارة وإياد وغيرها  مؤسّسين حلف تنوخ والذي يُعد من أشهر أحلاف العرب وتعّهدوا  فيه  بالتعاون والتكاتف وتنظيم الإقامة في نواحي البحرين، ومنها التنسيق  بشأن تنظيم شؤون التجارة والأسواق، وتأمين طرق التجارة والتضامن، وتوحيد الجهود العسكرية للتصدي لأي عداء آثم خصوصاً من دول فارس، وبالفعل تمّ التصدي بحزم و إفشال عدّة حملات شنّها ملوك دول فارس المتعاقبين.

 وبعد القرن الخامس الميلادي وما تلاه ومع استقرار القبائل العربيّة العدنانيّة في البحرين والتي قدمت من نجد وسط الجزيرة العربيّة خصوصاً قبائل ربيعة الوائلية ( بكر بن وائل وتغلب بن وائل عنزة الوائلية وعبد قيس وبنو حنيفة) والتحقت بهم فيما بعد قبيلة تميم، وبادرت بطون قبيلة بكر بن وائل بالدعوة لحلفٍ قبليّ جديد جامع عُرف باسم حلف اللهازم؛ حيث التحق بهذا الحلف أغلب بطون قبيلة بكر وسائر بطون ربيعة الوائليّة.
وكان لهذا الحلف العربيّ الكبير المتصاعد دوراً في تنظيم شؤون أبنائها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، علاوةً على توحيد الرؤى السياسيّة وتنسيق مواقفهم العسكرية من خلال الاستعداد والتجهّز لأي ظرف طارئ، والتصدي لأي عدوان خارجي خصوصاً الاعتداءات الساسانية الفارسية والتي تصاعدت منذ مطلع القرن السادس الميلادي بشنّها سلسلةً من الغزوات، فتصدّت بصلابةٍ وصبر وحزم لتلك الاعتداءات  في أيامٍ  كبيرة من أيام العرب، منها يوم المشقر، ويوم الصليب،  فيما  انضمّت قبائل اللهازم  بقيادة  المثنى بن حارثة الشيباني إلى  قبائل عربيّة أخرى في شرق الجزيرة العربية  للتصدّي لعدوانٍ فارسيٍّ كبير، ونجحت بتكاتفها وتوحيد جهودها  بتحقيق نصرٍ كبير  في يوم ذي قار والذي تزامن مع بداية عهد النبوة تقريباً في سنة 609 للميلاد، وقد أشاد النبي صلى الله عليه وسلم  بذلك اليوم حينما بلغه انتصار  العرب الكبير إذ قال: ( هذا أول يوم انتصف فيه العرب من العجم).
وهكذا تستلهم مملكة العز  قلعة العروبة والإسلام المملكة العربية السعودية دروس التاريخ و بحزم وحكمة  قيادتها الرشيدة ويقظة شعبها وبسالة جندها ورجال أمنها، فتنجح ومن خلال الوعي والصلابة والحزم والصبر  الاستراتيجي  وبإدراكها  المخاطر   واستشرافها المستقبل وبتكاتف وتضامن  واتحاد ووحدة وصلابة مواقف القيادات والشعوب الخليجية والتي تحوّلت إلى جبهة واحدة  موحدة حقيقية وواقعية صامدة  ملموسة، لتتمكن دول مجلس التعاون الخليجي  بالتصدي الباهر  للعدوان الإيراني الآثم، وإفشال مخططاته و تنجح في  الحفاظ على مكتسبات التنمية  الاقتصادية والاستقرار السياسي  والأمني محققة بذلك العبور الآمن .