الكاتب :
التاريخ: ١٢ مايو-٢٠٢٦       3355

حاوره :حسين السنونه

ماجد سليمان يمسك الغيوم بقلم من الشعر، ونفس سردي جعله روائي متمكن، وقراءة عميقة برؤية فلسفية كانت في نصوصه القصصية، يعشق الانعزال ولكن ليس هروب من الواقع بل حتى يصنع نص أدبي مختلف متجدد وغير تقليدي،  ماجد سليمان  يعشق التحدي مع النفس لا يرى الأدب ترف بل مسؤولية ليس فقط للمشهد الحالي بل للأجيال القادمة التي من حقها ان تكون على دراية  على انه في الوطن المملكة العربية السعودية كان هناك ادباء ومثقفين يمتلكون التجديد في الوعي الثقافي والعمق الفكري والتجديد المستمر.
يتحدث الروائي  ماجد سليمان  "لصحيفة النهار" عن المشهد الثقافي في المملكة العربية السعودية ودور المثقف والاديب الحقيقي. ويؤكد في حديثه "لصحيفة النهار"  ان الرواية شكل أدبي واسع، لكنها في هذه المرحلة فقدت قيمتها، عكس مرحلة التسعينيات وما بعد الألفية بسنوات قليلة، وصعودها الذي نراه هو استجابة للسوق، والدفع الاستهلاكي للفن، والذي بدوره سيقضي على الفن معنوياً، وها هي الرواية اليوم صارت فن الجميع، الصحفي كتب رواية، والطالبة الجامعية كتبت رواية، والمسؤول الحكومي كتب رواية، والعاملة المنزلية كتبت رواية، من بقي لم يكتب رواية؟


حاوره: حسين السنونة

تسعة وعشرون عاماً، وثلاثة وعشرون كتاباً، هي عمر تجربتك الأدبية حتى الآن، ولا تزال شغوفاً بالأدب، هل هناك مشاريع إبداعية قادمة ستخرج عن الخطوط الإبداعية السابقة، خصوصاً أن تجربتك مُتنوعة في عمومها؟
كل مرحلة إبداعية مررت بها رسمت نفسها تلقائياً، ووضعت خطوطها الخاصة استجابة لظروفها وأفكاري حينها، وهذه من النعم التي أشكر الله عليها، والأدب شعراً ونثراً هو جزء أصيل من حياتي، لا يُفارقني أبداً، فأنا بدأت عام 1996 شاعراً، ومنحت الشعر كل قُوّتي الشعورية، حتى بدأت حياتي الإبداعية تتمرحل تدريجياً، وأنا أُنهي في نهاية كل فصل منها ما تمليه أفكاري ويفرشه خيالي.
هناك خطوط جديدة بلا شك ومشاريع أدبية، وآمل أن أنجزها بشكل جيد، واليوم ملامحها بدأت تظهر لي، وهذا طبيعي، ولو اطلعنا على تجارب المبدعين في العالم بشكل عام، لوجدناها مراحل تطوي كل مرحلة أختها؛ لتكون مرجعاً لتجربة تلوّنت وتنوعت، مطاردة خصوبة خيالها وغارفة من واقعها ما يُلائم دفاترها.

لديك رأي بخصوص أسماء مقاهي الشريك الأدبي، وعن فعاليتها، واختيار ضيوفها، واعتذرت عن عدة دعوات للمشاركة، حدثنا عن ذلك؟
فكرة الشريك الأدبي ممتازة، ومناسبة لمن بدأوا خطوتهم الأولى في عالم الأدب، كي يُعرّفوا بأنفسهم من خلال فعالياتها، ويُقدّموا نصوصهم، ويقرؤوا إبداعهم، أما من شيدوا تاريخهم الأدبي الخاص فلا أراها تناسبهم أبداً، أيضاً أنا لست مع أسماء أغلب المقاهي، وأغلب الفعاليات، وكل هذه الملاحظات المكشوفة دفعتني للاعتذار عن كل الدعوات التي وصلتني مع تقديري لأصحابها واحترامي لثقتهم الكريمة.
بعض مقاهي الشريك الأدبي بأسماء أعجمية أو أسماء عامية صرفة، وأغلب فعالياتها خارج الشأن الثقافي، والكثير منها كأنها قاعات جامعية، أو مكاتب للموظفين الكبار أو المتقاعدين الذين يحرصون على مسمى (مدير الإدارة الفلانية سابقاً)، فتحولت رسالتها الأدبية إلى دُروس لا فعاليات أدبية: درس في السيرة الوظيفية، ودرس في الإدارة، ودرس في النحو، ودرس في التاريخ، ودرس في النقد، وورشة في الرواية، وورشة في الشعر، إلخ.
في المقابل لا أنسى إبداع بعض المقاهي المميزة، والتي جعلت من مهامها التفاعل مع الأيام العالمية الخاصة بالأدب، مثل: اليوم العالمي للشعر، اليوم العالمي للقصة، اليوم العالمي للمسرح، اليوم العالمي للرواية، اليوم العالمي للكتاب، إلخ.

الملهاة النجدية، هي عملك الأدبي الأخير، ما سر هذا التركيب الفني الذي انتخبته، وكيف يمكن تجنيسها؟
الملهاة نصوص من النثر الأدبي الخالص، على نمط المتصل المنفصل، استعارت من التاريخ ما يُلائم موضوعاتها، وقسمتها على نظام مُركّب، يختلط فيه التاريخ بالسرد والشعر والوصف، مُعيداً فهم الأحداث والشخصيات التاريخية النجدية فهماً أدبياً لا تاريخياً، الإقليم الذي أعيش فيه لم يُصدّر أدبياً حتى الآن، كل من أراد أن يقرأ عنه يذهب إلى كتب التاريخ، فكانت الحاجة إلى اللغة الأدبية وسحر خيال أصحابها، فبدأت هذا المشروع من مطولتي الشعرية (ليل القبيلة الظّاعنة) ثم روايتي (نسوة السوق العتيق) ثم روايتي (خان جليلة) ثم مجموعتي القصصية (منامات نوح عبدالرحيم) ثم (رسالة الرجاس اليمامي) وأخيراً (الملهاة النجدية)، مرتحلاً في آفاق تمشط جدائل التاريخ والخيال معاً.

رسالة الرجّاس اليمامي، عملك الأدبي قبل الأخير، أعدت من خلالها أدب الرسائل بصيغة سردية كما هو عند المعري في رسالة الغفران، وعند ابن شهيد في التوابع والزوابع، وعند الجاحظ في بعض رسائله، هل نفهم من هذا أنه تأثر أم امتداد طبيعي لشكل إبداعي تراثي؟
التأثر أمر طبيعي، فلكل ثقافة سَلَف، ولا يوجد إبداع دون مرجعيات، وهي ليست أول رسائلي، فقد كتبت قبلها رسائل إخوانية وأخرى جمالية، فجاءت رسالة الرّجّاس اليمامي بعد أن أغرتني فكرتها، وكنت حينها حائراً في فكرة عمل أدبي يعرض الحياة النجدية القديمة في عالم فني تتصارع فيه المعاني والرؤى مع المساحة الجغرافية، والتفرد بشكل هندسي يخرج عن العام والمشاع، ولأضمن حضور الذات المتخيلة حضوراً كثيفاً، فالكتابة في محيط العام والمشاع مُدمّرة، ولا تضيف لتجربة المبدع بل تجعله في سياق المتاح والمستهلك.
اخترت الملك النجدي "هَوْذَة بن علي الحنفي" شخصية سياسية شهيرة، وذو مكانة كبيرة في قومه فهو أيضاً شاعرهم وخطيبهم، وهو أحد الذين أرسل لهم الرسول صلى الله عليه وسلم رسالة يدعوه فيها إلى الإسلام، فجعلت للرسالة كاتباً مُتخيلاً أسميته الرّجاس اليمامي، ليُرسل إلى هَوْذَة الحنفي رسالته ويحكي له ما واجه في ظروف دفعته في تعرجات الديار.

مجموعتك القصصية الثالثة "منامات نوح عبدالرحيم وأحواله"، أعدت فيها المنامات التي عرفها العرب سابقاً، أنطقت من خلالها جغرافيا مدينة السّيح، مسقط رأسك ونشأتك، هذه المنامات كيف جاءت فكرتها، وما هذا الاحتفال الكبير بمدينة السّيح؟
للسّيح مكانة خاصة في قلبي، هي معشوقتي من بين مدن العالم، وهي الغرام الذي أتغنى فيه ليل نهار، منامات نوح هي إحالة جغرافيا مدينة السّيح إلى أماكن ناطقة بالناس والأحداث والحنين، ومن مسؤوليات المبدع تصدير الملامح الجغرافية والحياة الاجتماعية في المساحة التي يعيش فيها، هذه المدينة التي تكوّنت على ركام المدينة التاريخية (جوّ اليمامة) جعلت من ملامحها الجغرافية الشهيرة وأحداثها التاريخية قصصاً قصيرة ترويها شخصية تغرف من مناماتها، أماكن عريقة وأخرى قديمة، صنعت حنين أهل السّيح: عين الضّلْع، عين فرزان، جبل الدّام، السوق الداخلي، المقابر الأثرية، سوق القشلة، السوق الداخلي، نادي الشعلة، إلخ.
كان بإمكاني تقديمها على هيئة قصص قصيرة في ثوبها العصري المعروف، إلا أني فضلّت الأسلوب التراثي الرصين، لما فيه من متانة واختبار فني مذهل.

كيف تفسر ضعف حضور القصة في المشهد الثقافي في المملكة العربية السعودية؟
القصة القصيرة فن جميل وممتع، وهو باقٍ ما بقيت الحياة، ولدينا كتاب قصة على مستوى عالٍ، مثل جبير المليحان رحمه الله، وخالد اليوسف ومحمد المزيني وعبدالعزيز الصقعبي وناصر الجاسم وغيرهم من المبدعين، لكن القصة فن غير محظوظ كالشعر والرواية، ناهيك أن القصة فنياً تفرض مساحة محددة للرسم السردي، وهو اختبار لقدرة الكاتب على الاختزال وليس كل اختزالٍ جيد، بعض الموضوعات تحتاج إلى البسط والتوسع في كتابتها، وهذا ما يجعل حمولة القصة تشبه كتابة اليوميات بحيث تكون في موضوعات سهلة وبسيطة وروتينية، وذلك بسبب صرامتها الفنية مثل وحدة الحدث وحدود المشهد وأحادية الشخصية، قد يغامر القاص بالموضوعات الثقيلة، لكنها سيصطدم بالمساحة المرسومة له سلفاً من الفن ذاته.
ولا أنسى أن أحد أسباب ضعف حضور القصة هو المزاج الثقافي العام، أيضاً وقوعها بين جنسين مُغريين: الشعر والرواية.

لديك عدم اقتناع بالنقد والنقاد، وهذا من سنوات وليس جديداً، هل تغيرت قناعتك في النقد وأهله وما التعليل؟
ولا زلت، الشخص الذي لم يشعر بالفن كيف له أن يتحدث عنه؟! وكيف أثق بمن لم يخض غمار الكتابة الإبداعية؟! كيف له يتحدث عن القصيدة وهو لم يشعر بالرعشة التي تُحدثها القصيدة الراقية! كيف له أن يتحدث عن الرواية وهو لم يشعر بلذة السرد القصصي! كيف له أن يتحدث عن النص المسرحي، وهو لم يشعر بحرارة الحوار بين الشخصيات! وإذا اضطر المبدع إلى شهادة، فالشهادة تأتي من أهل الصنعة لا من العاجزين عنها.
هؤلاء وجدوا في النقد باباً (للترزز) الثقافي لا غير، فلا هم نزلوا إلى الميدان ونافسوا المبدعين شعراً أو نثراً، ولا هم تركوا المشهد الثقافي يتنفس الهدوء.
انظر إلى المبدعين من الشعراء والروائيين الذين كتبوا في النقد كيف أبهروا، مثل كتاب "الأدب الشعبي في جزيرة العرب" لـ عبدالله بن خميس، و"رحلة ضوء" لـ عبد الرحمن منيف، و"عن قبيلتي أحدثكم" لـ غازي القصيبي، و"مقدمة للشعر العربي" لـ أدونيس، هذه أمثلة على كتب خرجت من وعي وبصيرة المبدع الفنان العالم بأسرار الفن الأدبي، ومثل هؤلاء المبدعين الكبار، ساهموا في الحركة الثقافية مساهمات مفيدة جداً، يعجز المتسمين بالنقاد تقديم عُشْر تلك المساهمات، لأنها ببساطه ليست من همومهم.

قصيدة النثر، يدور حولها الكثير من الجدل الذي لم ينته، هل خضت كتابتها وما رأيك في مصطلحها؟
هذا المصطلح مضحك جداً، كمن يقول (الليل النهاري) أو (النهار الليلي)، وسبق أن طلبت من أصدقاء يكتبون هذا الشكل أن يبدلوه بـ (نثر) وانتهى، إلا أن أغلبهم استكبر على ذلك، كأن هذا المصطلح شعور بدونية النثر، مع أن النثر تاريخياً وتعبيرياً أرفع من الشعر وأرسخ ثقافياً.
كتبت نصوصاً كثيرة في هذا الشكل الجميل، لكني لم أقدمها بمسمى قصائد نثر، بل سميتها (نثر) وهذه هي التسمية الصحيحة انطلاقاً من تاريخ هذا الشكل الأدبي الموجود عند الجاحظ والتوحيدي والنفري وغيرهم من عمالقة النثر الأدبي.

في المشهد الأدبي، هناك المكرس والمشهور في المشهد، هناك الاسم المعروف والنص غير المعروف كيف ترى هذين الأمرين؟
المكرس والمشهور لا يقدمان نصوصاً ذات قيمة غالباً، وأسوأ ما يحصل في المشهد أن المنصات والقنوات والصحف، لا تبحث عن المبدع، بل تعتمد على قائمة أسماء جاهزة أبرزتها ظروف طارئة، أو أشهرتها حظوظ عابرة، أو مكّنتها مناصب وظيفية، حتى صار السائد هو اعتماد الكثيرين على شهرة الكاتب لا جودة أعماله، وكما نعرف أن للشهرة أسباب نادراً ما تكون جودة المنتج منها، وهذه الكارثة التي أفسدت الذوق العام في السنوات الأخيرة، فصارت ثقافة (الترند) هي المرجع والمراد، وصار بإمكان أي ذي خيال طفولي أو مراهق أن يكتب نصاً مشوهاً، مليئاً بالمشاعر المفتعلة، أو السرد العجائبي المقرف، فيتباهى به في مواقع التواصل التي من آلياتها الريتويت وأرقام الإعجاب، عندها سيبهر المنصات والقنوات والصحف، والتي بدورها ستتسابق على استضافته، ويتحول تلقائياً إلى رمز أدبي، وما هو من الأدب في شيء، والعتب على تلك المنصات والقنوات والصحف التي فتحت له أبوابها، ورسخته نموذجاً، فيصدق الـمُتلقي أن هذا الوهم من المبدعين المبهرين البارعين.

اليوم تشهد الرواية صعوداً مستمراً، ما قولك في الروايات التي برزت مؤخراً؟
الرواية شكل أدبي واسع، لكنها في هذه المرحلة فقدت قيمتها، عكس مرحلة التسعينيات وما بعد الألفية بسنوات قليلة، وصعودها الذي نراه هو استجابة للسوق، والدفع الاستهلاكي للفن، والذي بدوره سيقضي على الفن معنوياً، وها هي الرواية اليوم صارت فن الجميع، الصحفي كتب رواية، والطالبة الجامعية كتبت رواية، والمسؤول الحكومي كتب رواية، والعاملة المنزلية كتبت رواية، من بقي لم يكتب رواية؟
هذه المرحلة اعتبرها خنقت الفن الروائي، وهي فرصة لأن تأخذ الأشكال الأدبية الأخرى حقها من الحضور، ولا أستبعد أن تنته الرواية كما انتهت المقامات والموشحات، ثم هل الأدب فقط هو الرواية؟ الأدب أيضاً هو القصة والمسرحية والنثيرة والقصيدة وغيرها.

لماذا هناك عزوف واضح للمثقف في المناسبات الثقافية؟
لا أعلم عن الآخرين، لكني سأخبرك عن نفسي، أنا أعتبر الثقافة (قراءة وكتابة) عمل فردي، مساحة فكرية حرة، لا تعيش مع الجماعة، ولا يجب أن تُقحم في التجمعات، ولا تصلح أن تقع تحت سُلطة المؤسسة، فأنا لا تستهويني المناسبات الثقافية، ولست ضدها لكني لست معها، هذه التجمعات مجرد احتفاء بحدث أدبي أو بمناسبة ثقافية لا غير، ليست كلها طبعاً، لكن أغلبها قائم على تسجيل الحضور والتقاط الصور لإثبات الحالة الثقافية الاستعراضية الخاصة، بل بعضها ليست ثقافية أصلاً، هي دروس أكاديمية جافة، لكن في غير القاعة الجامعية، وأعتبر الوقت المخصص لها وقت مهدور، لن يجلب للمثقف الدائر في فقراتها أي نتيجة تفيد أو حتى تخدم همه الثقافي، غالباً تنتهي إلى التباهي بخبر صحفي يُنشر عنها، أو صورة على مواقع التواصل لجذب الريتويت والإعجاب.
أستثني المناسبات التي يكون القصد منها الاحتفاء بمبدع حقيقي، تقديراً لعطائه الأدبي الطويل الذي بذله في حياته، وغذّى المكتبة الأدبية بعناوين ومساهمات إبداعية.
 
هل هناك قصص سعودية تستحق أن تتحول إلى عمل درامي؟
هناك طبعاً، وتصلح أن تكون عملاً درامياً قصيراً، وأقترح الاستعانة بمجموعات قصصية لمبدعين كبار، مثل مجموعة "يمسك يدها ويغني" لـ خالد اليوسف، و"حارس النهر القديم" لـ عبدالعزيز الصقعبي، و"كل ما هُنا لك . لك" لـ محمد المزيني.
هذه المجموعات الثلاث شديدة الجاذبية والإغراء، وطريقة معالجة الأفكار فيها متقدمة جداً، بل إني أنصح بها أينما جذبني الحديث عن القصة القصيرة.

لماذا لا ترى أن السيرة والمذكرات والرحلات من الأدب؟
كلها من حقول التاريـخ (التاريخ الشخصي ــ الاجتماعي)، وليس لـها أن تكون من حقول الأدب، لأنـها لا تـحمل أيّ سـمة من سـماته، فأين الـخيال؟ وأين تـجاوز الواقع؟ وأين الإمتاع الفني؟ وأين الصَّنعة الأدبية؟ وأين ابتكار الشخصيات؟ وأين الـمساحات الـمُتخيّلة أو الـمُستعارة؟
أما اعتبار لغتها العالية عذراً يُدخلها خانة الأدب، فهذا يعني أن نعتبر الـمقالات ونشرات الأخبار، وتقارير الطقس وتغريدات إكس من الأدب؛ لأن لغتها عالية! وهل سنعتبر سِيَر الأعلام، وكتب التّراجم من أجناس الأدب؟ قطعاً لا، ومثلها سِيَر ومذكرات الـمسؤولين ورجال الأعمال وغيرهم، مـمن كتبوا تاريـخهم الـوظيفي أو الاجتماعي أو الأسري بكل ما فيه من مسار واقعي هم شُهوده.
النص الأدبي متنٌ إبداعي، يتجاوز الواقع بكتابة حرّة عمودها الـخيال، ليـمرّ بعملية تراكمية تنتهي غالباً بـ (الأعمال الكاملة)، أما السّير والـمذكرات فلم نسمع أو نرى في عالـمها (الأعمال السّيرية الكاملة) أو (الأعمال الـمذكراتيّة الكاملة)، لأنـها ليست من الصناعة الفنية، وليست حُرّة مثل الرواية والـمسرحية والقصة والقصيدة، ولا تتفجّر لغتها وتنبسط كما في اللغة الأدبية.
ما كُتب أدباً، يبقى أدباً: رواية . مسرحية . قصة . قصيدة، وما كُتِب تاريـخاً شخصياً، يبقى تاريـخاً شخصياً لا أدباً: سيرة . مذكّرات . رحلات، ومثلها بعض الـمسميات الـمنسوبة للأدب بـخطأ اصطلاحي، مثل مُسمى الترجـمة الأدبية، والصحيح (ترجـمة الأدب)، ومُسمى النقد الأدبي، والصحيح (نقد الأدب)، ومُسمى الـمقالة الأدبية، والصحيح (مقالة الرأي ــ الـمجتمع).

الكثيرون اليوم يُطلق عليهم "أديب" بينا هم لا تاريخ ولا عطاء أدبي، وضعت أنت تعريفاً دقيقاً لمصطلح الأديب، حدثنا عنه.
الأديب، صار لقباً مـجّانياً، يُـمنح لـمن هم خارج دائرة الـفعل الأدبي، أو من هم كثيفون في حقل أدبي بعينه، فاجتهدت ووضعت شرطين، هـما:
1ــ التّـراكم: تاريخ مُـمتد للتجربة، يُبرهن الشغف الطويل لتدفّق مُتواصل أو مُتقطّع يشدُّ بعضه، لا حالة طارئة.
2ــ التَّنوّع: الـجمع ببراعة بين فنون الأدب، مُتلوّناً في قوالبها.
ونـجد التّراكم والتّنوع إلى درجة الـموسوعيّة عند الـجاحظ والتوحيدي وابن قتيبة والـهمذاني، وغيرهم من الأوائل، وأيضاً عند مصطفى الرافعي وعبد الله بن خـميس وغازي القصيبي، وغيرهم من الـمعاصرين.
أما اليوم فصار الأديب نعتاً لكاتب الـمقالات والناقد والصحفي والباحث والدّارس والـمحاور الإعلامي، ومن كتب سيرته أو مذكراته، ومن كَتَب كتاباً أو كتابين في النثر أو الشعر، وليت شعري هل قَبِل هؤلاء مسؤولية أن يُنعتوا بالأدباء؟!
الأديب هو حالة مُتطوّرة، تَشكّل بناؤها وتراكم عطاؤها عبر مسار زمني، وتَنوّعت جامعةً بين الـجزالة والـجمال، أما الروائي فهو من يكتب الرواية فقط، والقاص من يكتب القصة فقط، والشاعر من يكتب الشعر فقط.