النهار

٠١ مايو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠١ مايو-٢٠٢٦       12705

بقلم ـ غازي العوني

الانتقامُ...  

أغرقَ القلوبَ فما عادتْ تُبصرُ النورَ ولو كانَ شمساً،  

وبعثرَ العقولَ فما عادتْ تعقلُ حتى بديهياتِ الرحمة،  

وقيّدَ الضمائرَ بأصفادٍ من صمتٍ، فسجنَها في قرنٍ  

يترنّمُ بالسلامِ على المنابرِ بأفواهٍ مُلجَمة،  

ويُتاجرُ بالحقِّ في أسواقِ الدمِ،  

ويحلمُ بالعدلِ... حُلمَ طفلٍ  

اسمهُ يوسف.

 

جلستُ إليهِ على الرُّكام.  

لم يكنِ الركامُ حجراً مُبعثراً، بل كانَ عمراً كاملاً تهدّمَ في لحظة.  

كانَ جدارَ غرفتهِ الذي علّقَ عليهِ رسومَه،  

وسريرَهُ الصغيرَ الذي غفا عليهِ ألفَ حكاية.  

لم يحدّثني عنِ الدمِ الذي لوّنَ ثوبَهُ،  

ولا عنِ الدّمارِ الذي التهمَ ضحكةَ أمّهِ.  

مدَّ إليَّ كفّاً ترتعشُ من البردِ والخوف،  

وفيها سيّارةٌ حمراءُ صغيرةٌ، خدشَها الغبارُ ولم يخدشْ براءتَها،  

وحدّثني عن حُلمٍ بسيطٍ، موجعٍ في بساطتِه،  

قاتلٍ في تواضعِه:  

أن يعيشَ طفلاً... كما الأطفال.  

أن يركضَ خلفَ كرةٍ لا خلفَ جنازة،  

وأن يخافَ من الظلامِ لا من الطائرة.

 

في زمنٍ قستْ فيهِ القلوبُ حتى صارتْ أشدَّ من الصخرِ الأصمّ،  

وتبعثرتْ فيهِ العقولُ حتى *انحنتْ لصنمِ القوةِ العمياء*،  

وصرختِ الضمائرُ من تحتِ الأنقاضِ حتى بُحّ صوتُها وماتَ صداه،  

رأينا كلَّ العجائبِ التي خجلتْ منها كتبُ الأساطير...  

حينَ صارتِ الإنسانيةُ نفسُها مجرّدَ ركامٍ  

مُلقىً بإهمالٍ ووقاحةٍ على حافةِ الطريق.  

يمرُّ بها العالمُ المُتحضّرُ في مواكبِه الزجاجية،  

يُشيحُ بوجههِ المُترف،  

ويُغلقُ نوافذَهُ كي لا تُزعجَهُ رائحةُ الموت،  

ويُكملُ طريقَهُ نحوَ مؤتمرٍ جديدٍ للسلام.

 

أما يوسف؟  

فما زالَ فوقَ الركامِ جالساً،  

تمثالاً من صبرٍ منحوتاً في قلبِ الخراب.  

يمسكُ سيّارتَهُ الحمراءَ كأنّها آخرُ ما تبقّى من العالم،  

ويسألُني، وعيناهُ معلّقتانِ بالسماءِ التي لم تُمطرْ إلا ناراً:  

"عمّو... متى نلعب؟"  

لم يسألْ "متى ننتصر؟"  

لم يسألْ "متى نأخذُ بالثأر؟"  

سألَ عن اللعب.  

وكأنّ اللعبَ صارَ مُعجزةً،  

والموتَ صارَ قاعدة.

 

فيا لعارِ هذا القرن،  

يا لعارِنا نحنُ... الساكتينَ، المُتفرّجين، المُبرّرين.  

إذا كانَ أعظمَ أحلامِ أطفالهِ، وأقصى أمانيهم،  

وأعلى سقفِ طموحِهم... أن يعيشوا.  

أن يمرَّ عليهم يومٌ واحدٌ دونَ أن يُدفنوا.

 

أخذتُ منهُ السيارةَ الحمراء.  

وضممتُها إلى صدري، فأحرقَتْهُ.  

صارتْ وصيّةً، وصارتْ قيداً، وصارتْ صلاة.  

وقلتُ لهُ والعبرةُ تخنقُني:  

"سأُبقيها معي يا يوسف... أمانة.  

سأطوفُ بها على هذا العالمِ الأصمّ،  

وأطرقُ بها أبوابَ السفنِ التي أبحرتْ لأجلِك،  

وأقولُ لهم: هنا طفلٌ سلّمَكم حلمَهُ،  

فلا تعودوا إلا بهِ حيّاً... يلعب."

 

فإنْ غابتْ شمسُك، وإنْ غابتْ شمسي،  

فضعوا السيارةَ الحمراءَ على قبري.  

واكتبوا عليها: "هنا يرقدُ حلمٌ كانَ اسمهُ يوسف".  

وقولوا للمارّة: لا تَبكوا...  

بل العبوا.  

فربّما... ربّما يبتسمُ يوسفُ أخيراً،  

من فوقِ الركام.