النهار

٢٣ ابريل-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٣ ابريل-٢٠٢٦       4015

بقلم - عبدالمحسن بن محمَّد الحارثي

في المملكة العربية السعودية ؛ لا تُقرأ القبائل بوصفها كياناتٍ متقابلة، بل بوصفها روافد متكاملة في نهرٍ واحد؛ نهرٍ تشكّل من إرثٍ عربي عريق، وصاغه الإسلام في أبهى صوره، حتى أصبح ميزان التفاضل فيه قائماً على القيم لا الأنساب، وعلى العمل لا الادّعاء. 
قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: 13]،
فجعل الغاية التعارف، لا التنازع، والتكامل، لا التعالي. 
ويقول الفيلسوف أرسطو: “الإنسان مدنيٌّ بطبعه”، أي لا يكتمل إلا في إطار الجماعة، ولا تزدهر الجماعة إلا بتكامل مكوّناتها.

ومن هذا الأفق، تُذكر قبيلة الشعاعيب من بني الحارث بمحافظة ميسان؛ لا باعتبارها استثناءً خارج السياق، بل نموذجاً من نماذج عديدة داخل هذا الكيان الكبير، حيث تتجلى القيم حين تتحول من شعارات إلى سلوكٍ معاش. فالسمعة الطيبة لا تُمنح بقرار، ولا تُصنع بخطاب، بل تُبنى بتراكم الأفعال حتى تستقر في ضمير المجتمع. 
قال النبي ﷺ:
“أنتم شهداء الله في الأرض” (متفق عليه)،
وهي شهادة لا تُشترى، بل تُكتسب. ويقول الإمام الشافعي: “من أحب أن يُختم له بخير، فليحسن الظن بالناس.”، إذ لا ينشأ حسن الظن إلا من أثرٍ يُرى. ويقول أحد الحكماء: “السمعة شجرة، أصلها في القلوب، وسقيها في الأفعال.”، بينما يذهب الفيلسوف ديفيد هيوم إلى أن: “السمعة هي انعكاس لما يعتقده الآخرون عن ثبات سلوكك لا عن ادعاءاتك.”

وقد عُرفت هذه القبيلة — كغيرها من قبائل الوطن — بسيرةٍ يذكرها الناس بخير، وهو ذكرٌ لا يُفهم بوصفه تميّزاً على غيره، بل بوصفه مثالاً ضمن منظومة أوسع من القيم المتجذّرة في المجتمع السعودي.

وليس من العصبية الجاهلية أن يذكر الإنسان محاسن قومه، ما دام منضبطاً بميزان العدل، بعيداً عن الانتقاص من الآخرين. 
قال النبي ﷺ:
“إن الله أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد” (رواه مسلم)،
فالفخر المذموم ما اقترن بالكِبر والاحتقار، أما الاعتزاز المنضبط فهو من باب الوفاء والانتماء. 
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “نحن قوم أعزّنا الله بالإسلام، فإن ابتغينا العزة بغيره أذلّنا الله.”، وهو ميزان دقيق يضبط مسار الاعتزاز. 

وفي تحليلٍ عميق ؛ يقول ابن خلدون: "العصبية إذا تجاوزت حدّها انقلبت إلى ظلم، وإذا اعتدلت كانت سبب العمران ". ويقابله في الفلسفة الحديثة قول مونتسكيو: “قوة المجتمعات لا تكمن في تفوق جزءٍ منها، بل في توازن أجزائها.”

أما القيم التي يُشاد بها — من كرمٍ وشجاعةٍ وإصلاحٍ — فهي ميراثٌ عربي أقرّه الإسلام وهذّبه، حتى صار معيار التفاضل فيه هو الخلق والعمل. 
قال النبي ﷺ:
“إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق” (رواه أحمد)،
وقال الله تعالى:
﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195].
ويقول أحد المجربين: “القيم لا تُختبر في الرخاء، بل تظهر حين تضيق الخيارات". 
ويؤكد الفيلسوف إيمانويل كانط أن: “قيمة الإنسان الحقيقية تُقاس بمدى التزامه بالمبدأ حين تتعارض مع مصلحته". 
وهذه القيم — حين تظهر في أي قبيلة — فهي لا تخصها وحدها، بل تعكس عمق المجتمع الذي تنتمي إليه. 

ومن هذا الباب ؛ تُذكر هذه القبيلة بما عُرف عن بعض أبنائها من مواقف في الكرم، أو الإصلاح، أو خدمة الناس، لا على سبيل الحصر، بل من باب التمثيل.

وحيثما وُجد التقدير ؛ وُجدت قراءات مختلفة له؛ بعضها منصف، وبعضها تحكمه نوازع النفس. 
قال الله تعالى:
﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: 54]،
وقال ﷺ:
“دبّ إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء” (رواه الترمذي).
لكن الوعي الحقيقي لا يكون في ردّ كل قول، بل في الاستمرار على النهج الصحيح. 
ويقول الفيلسوف فريدريك نيتشه: “من يصعد الجبل لا يلتفت إلى الحصى التي تتدحرج خلفه.”، ويقول سينيكا: “أعظم انتصار هو أن تمضي غير مكترثٍ بما لا يستحق".
كما يعبّر أحد الحكماء: “الضجيج لا يهدم جبلاً، لكنه يكشف قلق من حوله". 

والوجود الحقيقي لأي كيان لا يُقاس بحضوره في المجالس، بل بأثره في المواقف. 
قال الله تعالى:
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ [التوبة: 105]،
وقال ﷺ:
“أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس” (رواه الطبراني).
ويقول أحد المفكرين: “القيمة الحقيقية للإنسان لا تُقاس بما يملك، بل بما يتركه في حياة الآخرين". 
ويضيف جون ديوي: “المجتمع لا يتقدم إلا حين تتحول القيم إلى ممارسات يومية". 

والكمال لله وحده، والفضل موزّع بين الناس. 
قال الله تعالى:
﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النجم: 32]،
وقال ﷺ:
“كل بني آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوابون” (رواه الترمذي).
ويقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “اعرف الحق تعرف أهله".
وهي قاعدة تضع الميزان فوق الأسماء. ويقول الفيلسوف سقراط: “الحكمة أن تعرف حدود نفسك". 

تبقى الحقيقة الأعمق ؛ أن السمعة الطيبة ليست نهاية الطريق، بل بدايته. قال الله تعالى:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].
ويقول أحد الحكماء: “الشهرة قد تأتيك، لكن الاستحقاق هو ما يبقيك".
وفي التجربة الواقعية: “ما بُني في سنين ؛ قد يُهدم في لحظة إن غاب الوعي".
بينما يرى ألبرت كامو أن: “القيمة الحقيقية للإنسان تظهر في استمراره على المبدأ رغم تغيّر الظروف".

وفي الختام ؛ يأتي ذكر قبيلة الشعاعيب من بني الحارث من باب “الشيء بالشيء يُذكر”، بوصفها مثالاً من أمثلة عديدة في هذا الوطن، حيث تتجسد القيم في صورٍ متعددة، يجمعها إطارٌ واحد: وطنٌ وحّد القلوب، ودينٌ هذّب النفوس، وقيمٌ صنعت الإنسان.

وهنا يتبيّن الفرق:
بين من يُذكر اسمه…
ومن يُحفظ أثره!!