حوار: عيسى المزمومي – النهار السعودية
شهد عالم الألعاب الذهنية عبر تاريخه تطورًا مستمرًا، فلم تتوقف الابتكارات عند حدود ما هو قائم، بل سعت دائمًا إلى إعادة تشكيل طرق التفكير وصناعة القرار.
ومن هذا المنطلق، استطاع المبتكر السعودي أحمد سفير الميموني ابتكار لعبة “شطارة”، سعيًا لتقديم تجربة مختلفة تعيد صياغة المفهوم التقليدي للألعاب الذهنية.
وتبرز “شطارة” بوصفها لعبة سعودية مبتكرة تنطلق من إرث الشطرنج العريق، لكنها تضيف بعدًا استراتيجيًا جديدًا يتمثل في “منطقة الدعم”، التي تعيد تعريف مفهوم اللعب وتوسّع نطاقه.
في هذا الحوار، نقترب من فكرة “شطارة” ومراحل تطورها، ونستكشف رؤيتها المستقبلية مع مبتكرها، في حديث يكشف كيف يمكن لفكرة بسيطة أن تتحول إلى مشروع يحمل طموح المنافسة عالميًا.
س: أستاذ أحمد، دعنا نبدأ من الأساس.. ما هي “شطارة”؟
ج: شطارة لعبة ذهنية سعودية مبتكرة، تنطلق من روح الشطرنج، لكنها تضيف عنصرًا جوهريًا جديدًا يُعرف بـ“منطقة الدعم”.
ببساطة، تمثل الشطرنج ساحة المعركة، بينما تضيف شطارة مساحة موازية تمثل الجيش الاحتياطي.
ومن هنا يتغير منطق اللعب؛ إذ يتحول القرار من مجرد حركة على الرقعة إلى إدارة أشمل للمباراة.
س: نفهم من كلامك أنها قريبة من الشطرنج، وليست شطرنجًا في الوقت نفسه؟
ج: بالضبط. شطارة مبنية على أساس مألوف هو الشطرنج، لكنها تعمل بمنطق مختلف. في الشطرنج تدير ما يحدث داخل الرقعة فقط، أما في شطارة فأنت تفكر داخل منطقة اللعب وخارجها عبر “منطقة الدعم”.
وهذا يغيّر طريقة التفكير بالكامل. لذلك من يعرف الشطرنج سيدخل إلى شطارة بسهولة، لكنه سيكتشف منذ أول مباراة أنه أمام تجربة مختلفة تمامًا.
س: بصراحة، قد يتساءل البعض: لماذا نحتاج لعبة جديدة، والشطرنج لعبة راسخة؟
ج: هذا سؤال منطقي. وجود لعبة عظيمة لا يعني توقف التطوير. على سبيل المثال، لم تُلغِ رياضة البادل لعبة التنس، لكنها قدمت تجربة مختلفة ووجدت جمهورها.
كذلك في كرة القدم، لم يكن نظام البدلاء جزءًا أساسيًا كما هو اليوم، ثم أصبح عنصرًا محوريًا في إدارة المباراة.
ومن هذا المنطلق جاءت شطارة؛ فهي لا تلغي الشطرنج، بل تضيف إليه “منطقة الدعم”، مما يخلق عمقًا استراتيجيًا جديدًا ويغيّر منطق المباراة بالكامل.
س: حتى الاسم لافت.. لماذا “شطارة” تحديدًا؟
ج: لأن الاسم يحمل دلالات الذكاء والمهارة وحسن التصرف، وهي جوهر اللعبة.
كما أن الشطرنج نفسها عبرت حضارات متعددة وتغير اسمها عبر الزمن، من “تشاتورانجا” في الهند إلى “شطرنج” في الفضاء الفارسي.
واليوم نقدمها في سياق سعودي جديد باسم “شطارة”، وهو اسم يعكس هوية مبتكرة، لا مجرد تغيير لفظي.
س: هل ما زلنا نتحدث عن فكرة، أم عن مشروع قائم على أرض الواقع؟
ج: نحن تجاوزنا مرحلة الفكرة. لدينا اليوم منتج مادي تم تصنيعه، ونسخة رقمية قابلة للتجربة، إضافة إلى تجارب ميدانية قُدمت للمجتمع.
شاركنا في فعاليات مثل “أجاويد عسير”، ونفذنا تحديات في مواقع متعددة.
وكان هدفنا اختبار التفاعل الحقيقي مع اللعبة، لا الاكتفاء بعرضها نظريًا. لذلك يمكن القول بثقة إن شطارة مشروع قائم وله حضور فعلي.
س: وكيف كانت ردة فعل الناس عند تجربة اللعبة؟
ج: كانت مشجعة جدًا. الناس تستوعب الفكرة بسرعة، لكن الفارق الحقيقي يظهر في أول مباراة.
عندما يكتشف اللاعب أن الخسارة لا تعني نهاية المسار، وأن هناك خيارات في “منطقة الدعم” يمكن أن تعيد تشكيل المباراة، يبدأ الفهم الحقيقي للعبة.
س: أحيانًا تتحدث عن شطارة وكأنها أكبر من مجرد لعبة، ماذا تقصد؟
ج: لأنها بالفعل تتجاوز التسلية. في جوهرها، شطارة نظام تفكير؛ فهي تدرب اللاعب على قراءة الاحتمالات، وإدارة الموارد، واختيار التوقيت، والتفكير في الحاضر والمستقبل في آن واحد.
لذلك يمكن أن تمتد تطبيقاتها إلى مجالات أوسع، ومنها الذكاء الاصطناعي.
س: وكيف يرتبط الذكاء الاصطناعي بلعبة مثل شطارة؟
ج: الشطرنج استُخدمت طويلًا كمعيار لاختبار قدرات الأنظمة الذكية، لكن شطارة تضيف طبقة جديدة من التعقيد بسبب “منطقة الدعم”.
لم يعد السؤال: ما أفضل نقلة؟ بل أصبح: متى أعزز؟ متى أحتفظ بخياراتي؟ وكيف أوازن بين وضعي الحالي وخياراتي المستقبلية؟ وهذا يفتح آفاقًا جديدة في التعلم والتحليل.
س: هل ترى أنها قد تفتح مسارًا مختلفًا في هذا المجال؟
ج: نعم، لأن شطارة لا تضيف حركة فقط، بل تضيف منطقًا جديدًا لاتخاذ القرار.
وعندما يتغير منطق القرار، تتغير طريقة التعلم والتحليل، مما يخلق مساحة أوسع لبناء تطبيقات وأفكار مستقبلية.
س: يبدو أنك تراهن أيضًا على البعد الوطني في المشروع، إلى أي مدى هذا مهم؟
ج: مهم جدًا، لكنه ليس مجرد شعار. شطارة لعبة ذهنية سعودية مبتكرة تتقاطع مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 في دعم الابتكار وتنويع الاقتصاد.
وقد وفرت الرؤية بيئة تسمح بتحويل الأفكار إلى مشاريع حقيقية. نحن نسعى لتقديم منتج سعودي قادر على المنافسة عالميًا، بهويته الخاصة.
س: هل شعرت بتقبل المجتمع لها؟
ج: نعم، وهذا من أكثر الأمور التي شجعتنا. أي فكرة جديدة تحتاج وقتًا لتُفهم، لكن عندما يجد الناس فيها متعة وعمقًا ومنطقًا واضحًا، يبدأ التقبل بشكل طبيعي. التفاعل كان حقيقيًا، وكثيرون أبدوا رغبتهم في إعادة التجربة.
س: ما التحدي الأكبر الذي واجهك؟
ج: التحدي لم يكن في بناء الفكرة، بل في تجاوز الانطباع الأول. البعض يظن أنها نسخة من الشطرنج، وهذا غير دقيق.
التحدي هو نقل الناس من الحكم السريع إلى التجربة الفعلية، لأن شطارة لا تُفهم إلا عند ممارستها.
س: أخيرًا.. ما الذي تحتاجه شطارة اليوم؟
ج: تحتاج إلى بيئة حاضنة: أماكن للعرض، مجتمع متفاعل، وفرص مستمرة للتجربة. فكل لعبة ذهنية مبتكرة تحتاج إلى مساحة تعيش فيها وتنمو داخل المجتمع.
س: وماذا يعني مستقبل شطارة لكم ؟!
ج: شطارة ليست مجرد لعبة جديدة، بل محاولة لإضافة قيمة حقيقية إلى عالم الألعاب الذهنية. وهي مستقبل يتواكب مع رؤية الوطن ٢٠٣٠ م حيث بدأت بسؤال بسيط: “ماذا لو كان هناك دعم؟”، وتحولت إلى مشروع وتجربة تتوسع يومًا بعد يوم. طموحنا أن تنطلق من السعودية إلى العالم، حاملة اسمها وهويتها بوضوح.
س: كلمة أخيرة أخي الأستاذ أحمد؟
ج: شكرًا لكم على هذه المساحة، وعلى إتاحة الفرصة للتعريف بشطارة بشكل أوسع عبر صحيفتكم المتميزة “النهار”، كما أتقدم بالشكر لرئيس التحرير الأستاذ عبدالله الكناني على دعمه واهتمامه.