النهار
بقلم - حذامي محجوب
في لحظات الاحتقان الإقليمي ، لا تُختبر قوة الدول بما تملكه من ترسانة عسكرية فحسب ، بل بقدرتها و حكمتها ، على تهدئة العواصف ، وإدارة المصالح المتشابكة ، وصياغة معادلات استقرار تتجاوز ردود الفعل الآنية .
وفي هذا السياق ، تبدو المملكة العربية السعودية وكأنها تعيد رسم ملامح الدور الإقليمي ، لا عبر منطق التصعيد ، بل من خلال بناء توازن دقيق بين الاقتصاد والسياسة ، وبين الحماية والانفتاح .
القرارات الأربعة التي أعلنت عنها الرياض قبل فترة لا يمكن اختزالها في بعدها التقني ، بل تُقرأ بوصفها جزءا من رؤية صائبة و شاملة لإدارة الخليج كجسد واحد ، تتكامل فيه المصالح وتتشابك فيه المصائر .
فإعفاء الواردات والصادرات الخليجية من الرسوم لمدة شهرين ، لا يندرج فقط ضمن التيسير التجاري ، بل يعكس وعيا عميقا بحساسية المرحلة ، حيث يصبح تخفيف الأعباء الاقتصادية ضرورة لحماية الأسواق من الارتباك ، وضمان انسيابية السلع في زمن القلق .
أما السماح بدخول كلّ الشاحنات المخصصة لنقل البضائع ، حتى في حالة الفراغ ، فيكشف عن إدراك استراتيجي لطبيعة سلاسل الإمداد ، تلك الشبكات غير المرئية التي يقوم عليها استقرار الاقتصاد .
فحين تُؤمّن هذه الشرايين ، يُصان نبض السوق ، وتُحمى دورة الحياة الاقتصادية من الاختناق .
هنا، لا تتصرف السعودية كحارس حدود ، بل كمنسّق لإيقاع إقليمي كامل ، يضمن استمرارية الحركة وسلاسة التدفق.
وفي قرار رفع العمر التشغيلي للشاحنات إلى 22 سنة ، بما يشمل شاحنات دول مجلس التعاون ، يتجلى بُعد براغماتي ناضج ، يوازن بين متطلبات التنظيم وضغوط الواقع .
إنه اختيار واع يمنح الأولوية لاستمرارية النشاط الاقتصادي ، دون التفريط في الحد الأدنى من المعايير ، في لحظة تتطلب مرونة استثنائية وتقديرا دقيقا للظروف .
أما تخصيص مناطق تشغيلية لكل دولة خليجية داخل ميناء الملك عبدالعزيز بالدمام ، فهو يتجاوز فكرة التنسيق التقليدي إلى ما يشبه “ الاندماج الوظيفي ”، حيث تتحول البنية التحتية الوطنية إلى منصة إقليمية مشتركة . لم يعد الميناء مجرد مرفق سعودي فقط ، بل صار مساحة خليجية تتقاسم فيها الدول الأدوار والمصالح ، في تجسيد عملي لوحدة اقتصادية قيد التشكل .
من خلال هذه الخطوات ، يتضح أن السعودية لا تكتفي بدور الدولة المحورية ، بل تمارس مسؤولية أوسع ، قوامها حماية التوازن الاقتصادي لدول الخليج في لحظة إقليمية مضطربة .
إنها تمارس “ قيادة هادئة ”، لا تقوم على فرض النفوذ ، بل على بناء الاعتماد المتبادل وتعزيز الثقة ، حيث تصبح القوة أداة احتواء لا وسيلة هيمنة .
في عالم تتكاثر فيه بؤر التوتر وتتصادم فيه الحسابات ، تبدو هذه المقاربة أقرب إلى هندسة واعية للاستقرار ، اقتصاد يُستخدم كوسيلة تهدئة، وتكامل يتحول إلى درع جماعي ، وتضامن يرتقي من خيار سياسي إلى ضرورة استراتيجية .
بهذا المعنى، لا تمثل هذه القرارات استجابة ظرفية ، بل تؤسس لنموذج إقليمي جديد ، عنوانه المسؤولية المشتركة ، وجوهره إدراك عميق بأن أمن الدول لا يُبنى في العزلة ، وأن ازدهارها لا يتحقق إلا ضمن فضاء متكامل .
هنا، تتحول القوة إلى التزام ، والنفوذ إلى شراكة، والدور القيادي إلى مسؤولية تُمارس بحكمة واتزان .