النهار
بقلم ـ جمعان الكرت
الدكتور محمد حامد الغامدي عرفته من خلال مقالة نشرها في مجلة اليمامة قبل أكثر من أربعين عامًا، وكانت إجابة عن سؤال طرحه: لماذا لم يُنشئ أهل السراة سدودًا لحجز مياه الأمطار؟
وقد أوضح في تلك المقالة أن المدرجات الزراعية التي بناها الآباء والأجداد عبر قرون طويلة كانت تقوم مقام السدود، فهي تحفظ مياه الأمطار وتبطئ جريانها، بل تعد خزانات طبيعية تغذي الآبار على مدار العام. وأشار إلى أن هذا الأسلوب الذكي يعكس فطنة المزارع في استثمار مياه المطر، إذ تتشبع التربة الزراعية بالماء، وتُصرف الفوائض عبر قنوات مائية تحفظ التوازن في المزارع.
ولم أكن أدري آنذاك أن هذه الفكرة ستتحول لاحقًا إلى مشروع فكري وعلمي يتبناه الدكتور محمد، بل إلى فلسفة حياة كرّس لها جهده البحثي، فأصدر عددًا من الكتب التي تدور في معظمها حول قضية الماء وأهميته. ومن خلال عناوين مؤلفاته يتضح عمق انشغاله بهذا الموضوع؛ فمن كتبه: الأحساء ذاكرة التعايش، الكارثة المغيبة، نضوب مياه عيون واحة الأحساء، كارثة موت شجرة العرعر وتأثيرها على مستقبل المياه الجوفية في المملكة العربية السعودية، إنقاذ المستقبل من العطش: كيف نحول المطر إلى مخزون استراتيجي، كارثة إهمال وتجريف مدرجات جبال الجنوب الغزيرة المطر وتأثيرها على مستقبل المياه الجوفية المتجددة في المملكة العربية السعودية، المياه الجوفية: حيرة وتساؤلات، وبيشة الموقع الاستراتيجي لقياس مستقبل وضع المياه الجوفية.
وقد ركز في أبحاثه على حجم الهدر الكبير الذي تعرضت له البلاد خلال العقود الثلاثة الماضية، مشيرًا إلى أن استنزاف المياه في الزراعة العشوائية يعادل ـ بحسب تقديره ـ إنتاج محطات التحلية لمدة تصل إلى خمسمائة عام. كما حذر من خطورة التوسع في حفر الآبار الارتوازية وما نتج عنه من استنزاف جائر للمياه الجوفية.
وكان يؤكد دائمًا عبارته اللافتة: «من يملك الماء يملك الحياة»، ويطرح سؤالًا عميق الدلالة: هل الماء لدينا مال أم قيمة؟
وللدكتور محمد رؤية علمية طرحها على المسؤولين في وزارة الزراعة والمياه، وكان يشعر بالحزن لعدم تبني كثير من التوصيات العلمية التي قدمها في أبحاثه، وهو يستشعر أهمية الماء بوصفه مصدر الحياة في بلد شحيح الأمطار وعديم الأنهار.
إن هذا الجهد البحثي الكبير الذي بذله طوال عقود من حياته يدل بوضوح على أن قضية الماء كانت عند الدكتور محمد قضية وجود وقيمة عليا. وفي سياق حديثه يؤكد أن البيئة بما تحويه من إنسان وطير وشجر وتراب ومدر وماء كانت هي الملهمة الأولى التي دفعته إلى التوجه لدراسة المياه في المملكة العربية السعودية.
وحين طرح ورقته العلمية في إحدى الأمسيات الثقافية التي نظمتها جمعية الأدب المهنية كان حديثه واضحًا وصريحًا، يعكس عمق التجربة وصدق القناعة.
ويقول في مقدمة كتابه «الماء وطن»:
«إن هذا الكتاب، كبقية الكتب السابقة، يوثق لجهد بذلته، ووقتٍ صرفته من عمري لأكثر من ثلاثة عقود لصالح رسالة آمنت بها، محورها الحفاظ على المياه الجوفية وتوفيرها وترشيد استخدامها. إنها أمانة تخصصي الأكاديمي التي أحملها بهدف رسم سياسة حكيمة تفرض أن يكون لكل قطرة ماء وظيفة ورسالة تؤديها لصالح الإنسان، في ظل ظروف ندرة الماء التي نعيشها، وأيضًا في ظل كونه موردًا محدودًا في بلدنا أعزه الله».
وهكذا يظهر الدكتور محمد حامد الغامدي بوصفه أحد الأصوات العلمية التي نبهت مبكرًا إلى خطورة ملف المياه، ودعت إلى التعامل معه بوصفه قضية مصيرية تمس حاضر الوطن ومستقبل أجياله