النهار

١٧ مارس-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٧ مارس-٢٠٢٦       11440

بقلم ـ عبدالمحسن الحارثي

ليس الدعاء لوليّ الأمر مجرد تقليد اجتماعي، ولا عبارة تُقال على المنابر في المناسبات، بل هو معنى شرعي عميق، وسلوك حضاري يعكس وعي المجتمع بمصالحه العليا.

قال الله تعالى: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء: 59]، وفي الحديث الشريف: “من وليّ من أمر المسلمين شيئًا فاستُقيم فيه، فله أجره، ومن وليّ من أمر المسلمين شيئًا فاعوجَّ فيه، فله وزره” [صحيح مسلم].

فحين يستقيم اللسان بالدعاء ؛ تستقيم القلوب على الطاعة، وتنتظم شؤون الجماعة في دائرة الاستقرار.

 

أهل العلم عبر القرون ؛ أكدوا أن السمع والطاعة في المعروف أصل من أصول الاجتماع، وأن بيعة وليّ الأمر ليست عقدًا شكليًا، بل ميثاق استقرار.يقول الإمام أحمد بن حنبل: “لو كانت لنا دعوة مستجابة لجعلناها للسلطان”؛ لأن صلاحه صلاح للرعية، وفساده باب للفتنة.

ويقول الفضيل بن عياض: “لو أن لي دعوة مستجابة ما جعلتها إلا في الإمام”؛ إدراكًا أن استقامة رأس الهرم تنعكس أمنًا وعدلاً على سائر المجتمع.

 

ويُروى عن أفلاطون: “كما يكون القادة يكون الناس”، وهي حكمة تتقاطع مع سنن الاجتماع؛ فالقائد ليس مجرد منصب، بل بوصلة أخلاقية وسلوكية تُشكّل ملامح الأمة.

ويقول أرسطو: “العدل أساس الملك”، وهي فلسفة الحكم الرشيد، إذ لا يستقيم سلطان بلا عدل، ولا يدوم استقرار بلا إنصاف.

 

الدعاء لوليّ الأمر ليس تزلّفًا، بل حفاظ على الكيان العام.

الحاكم العادل هبة من الله ونعمة تستوجب الشكر، إذ به تُصان الدماء، وتُحفظ الحقوق، وتُقام الحدود.

والحكمة الشعبية تقول: “كما تكونون يُولّى عليكم”، أي إن صلاح المجتمعات واستقامتها مرهون بقيادة رشيدة.

 

ويقول ابن خلدون: “الملك لا يقوم إلا بالعصبية”, أي بالالتفاف حول القيادة.

ويؤكد توماس هوبز: “حيث لا سلطة، لا قانون، وحيث لا قانون، لا عدل”، في إشارة إلى أن الفراغ السياسي بوابة الفوضى..ويقول كونفوشيوس: “إذا صلح القائد استقام الناس، وإذا فسد اضطربت الدولة”..كما يرى ميكيافيللي: “قوة الدولة في وحدة شعبها حول قيادتها”.

 

المجتمعات التي تدرك قيمة الاستقرار لا تفرّط في رموزه، ولا تعبث بمكتسباته. فالدعاء لوليّ الأمر دعاء لأنفسنا: لأمننا، لاقتصادنا، لمستقبل أبنائنا.

 

في ظل اضطرابات العالم وحروبه ؛ نعيش في المملكة العربية السعودية حالة استثنائية من الأمن والأمان. 

عالمٌ يضطرب حولنا، ووطنٌ يستقر في الداخل، بفضل الله أولًا، ثم بحكمة القيادة وتماسك الشعب.

هُنا ؛ تتجلّى معادلة العظمة: دولة عظمى، قيادة عظيمة، شعب عظيم.

 

هذه البلاد قبلة المسلمين، وموطن الحرمين الشريفين، وملاذ الخائفين، ووجهة القاصدين من كل فجّ عميق. خدمة الحرمين شرف ومسؤولية تاريخية تُدار بحكمة واقتدار، حتى غدت مثالًا عالميًا في الإدارة والرعاية.

 

مع نفحات العيد المبارك ؛ نرفع أسمى التهاني والتبريكات إلى خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين، سائلين الله أن يديم عليهما الصحة والعافية، وأن يوفقهما لما فيه خير البلاد والعباد.

كما نهنئ شعب المملكة الكريم والمقيمين على ثرى هذه الأرض الطاهرة، سائلين الله أن يعيده على الجميع بالخير واليمن والبركات.

 

وحين يلتفّ الناس حول قيادتهم، لا بوصفه واجبًا فحسب، بل قناعة راسخة ؛ تتحوّل الأوطان من جغرافيا إلى رسالة، ومن حدود مرسومة إلى كيان حي نابض. 

 

هناك ؛ لا يكون الدعاء لوليّ الأمر طقسًا عابرًا، بل وعيًا متجذرًا، ولا تكون البيعة إجراء شكليًا، بل عهدًا موصولًا؛ عهد يُصان بالعدل، ويُحمى بالوحدة، وتُثمره الطمأنينة.

 

وإذا اجتمع صدق القيادة مع إخلاص الشعب، كُتب للتاريخ أن يسجّل: هُنَا وطن لم تهزه العواصف ؛ لأنه بُني على قلب واحد، وبصيرة واحدة، وتحت راية واحدة.