النهار

١٠ مارس-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٠ مارس-٢٠٢٦       24640

بقلم - عبدالمحسن محمد الحارثي

ليست كل الضربات في السياسة والحروب عسكرية بقدر ما هي رسائل اختبار للحدود. 
قبل نحو عام تقريباً ؛ شهد الشرق الأوسط حرب الأيام الاثني عشر بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، وانتهت بمشهد لافت: ضرب إيران قاعدة العديد الجوية في قطر بلا خسائر بشرية، لتثبت الجرأة وتفتح المجال لمراحل تصعيد لاحقة تجاه دول الخليج والدول العربية. 

وفي الوقت نفسه ؛ حاولت إسرائيل اغتيال أحد قادة حركة حماس في العمق القطري ؛ لتتضح قواعد لعبة المجسّات العابرة للحدود: القوة تُقاس اليوم بالرسائل الاستراتيجية، لا بالصواريخ وحدها. 
صن تزو كتب: " اختبر خصمك بطرق صغيرة، فإن صمتَ ؛ فهمتَ حدوده ".

الحرب الحديثة صراع بالصورة والمعلومة ، وتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن إغراق السفن الإيرانية، مقابل صمت إيران عن الخسائر، وغياب صور الدمار ؛ بينما كانت مشاهد لبنان واضحة، كلها دليل أن السيطرة على الرواية جزء من الحرب.. وهذا ينطبق على مقولة  كارل فون كلاوزفيتز: “في الحرب ؛ الضباب ليس في الميدان فقط، بل في الروايات أيضًا.”

دول الخليج-تاريخيًا- شكلت جدارًا دفاعيًا محكمًا، مع تحالفات واستعدادات دقيقة، ورسائل سياسية حذرة لتفادي التصعيد. 

واليوم -مع تصاعد المجسّات الإيرانية-تظهر شراكات استراتيجية مثل موقف باكستان في تعزيز الدفاع المشترك مع السعودية، ما يعكس إدراكًا أن الأمن الخليجي أصبح مشتركًا استراتيجيًا..و صن تزو يذكّرنا: “من يشعل النار حوله، قد يجد نفسه محاصرًا بلهيبها.”

النهاية السريعة للحرب لم تكن حسمًا، بل اختبارًا عمليًا للحدود. 
التجارب الأولى في اختبار الردع-إذا لم تواجه بردع واضح-ترفع سقف الجرأة وتشكل سابقة، كما قال أرنولد توينبي: “الضربة التي لا تُواجَه بردع واضح قد تتحول إلى سابقة.” كل خطوة صغيرة تحمل احتمال انفجار أكبر، حيث الردع يصبح سؤالًا مستمرًا والاستقرار الدولي رهينة الحذر واليقظة.

المرحلة المقبلة تتطلب من دول الخليج ؛ تكثيف الردع الذكي، توحيد المواقف الإقليمية، وتعزيز التعاون مع الشركاء الاستراتيجيين، مع إدارة المعلومات الإعلامية بدقة. 

كل مجسّ، كل ضربة محدودة ؛ فرصة لإعادة رسم قواعد الاشتباك وتحديد سقف الجرأة..وكما يؤكد صن تزو: "الاستراتيجية ليست في القوة فحسب، بل في معرفة متى تتحرك ومتى تنتظر".

الرسالة واضحة: المنطقة تمشي على عود الثقاب..كل اختبار للردع، كل مجسّ، وكل ضربة؛ يحمل إمكانية الانفجار الأكبر. والحكمة العسكرية تعلمنا أن بعض الحروب لا تنتهي، بل تتوقف مؤقتًا ؛ لتعاود اختبارنا لاحقًا، فيما يبقى العالم كله يراقب كل خطوة بحذر.