النهار
بقلم - عبدالمحسن محمد الحارثي
في الطائف .. حيث تتآلف الجغرافيا مع الذاكرة ؛ احتفت الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون بليلةٍ لم تكن احتفالًا عابرًا، بل لحظة وعيٍ تتجاوز المناسبة إلى معناها الأعمق.
ليلةٌ أعادت تعريف يوم التأسيس بوصفه معنى يُستأنف لا ذكرى تُستعاد؛ إذ «ليست العظمة أن يكون لك تاريخ، بل أن يكون للتاريخ فيك مستقبل».
وحين شَرُفتُ بالمشاركة بكلمة تحت عنوان: «يومٌ نقرأ فيه التاريخ، لا لنمكث عنده، بل لنتجاوزه» ؛ بدا المشهد وكأنه حوارٌ حيّ بين زمنين.. ماضٍ يهب الحكمة، وحاضرٍ يتلقفها ليصوغ منها طريقًا..فالتاريخ، كما قال ابن خلدون، «في ظاهره لا يزيد على الإخبار، وفي باطنه نظرٌ وتحقيق»؛ وإذا كان الخبر يُروى، فإن التحقيق يُعاش.
افتتح مدير الجمعية - الفنان فيصل الخديدي- معرض الفنون التشكيلية ؛ فانفتحت الألوان على الوطن كما تنفتح النوافذ على الضوء.
لم تكن اللوحات مجرد أعمال فنية، بل شواهد بصرية تؤكد أن الفن حين يلامس الهوية ؛ يغدو بيانًا صامتًا.. ريشٌ تكتب، وألوانٌ تشهد، ومساحاتٌ تهمس بأن الوطن حين يُرسم بالانتماء ؛ يصبح الجمال فيه ضربًا من الوفاء.
ثم جاء الشعر- ديوان العرب وذاكرة الشعوب- ليعيد للغة نبضها الأول. تعاقبت القصائد كأنها صدى يمتد في صدر الزمن: يوم بدينا، وعلى خطى المؤسس مشينا..وكانت الأبيات تذكّر بأن الأمم التي تحفظ أناشيدها لا تفقد طريقها، وأن القصيدة الوطنية ليست زينة لغة، بل ميثاق شعور.
وشهدت الأمسية حضورًا نوعيًا من الفنانين والفنانات والنخب الثقافية وأبناء المجتمع الطائفي، في صورة تؤكد ؛ أن الثقافة ليست ترفًا، بل هوية. أما التغطية الإعلامية فجاءت بوعي اللحظة، حيث امتزج الجهد الذاتي بالتقنية الحديثة، وتحول صُنّاع المحتوى إلى رواة عصرٍ جديد يكتبون الصورة كما كان الأوائل يكتبون السطر، في مصداقٍ حي للمقولة: «ما يُحفظ في الذاكرة أكثر مما يُحفظ في الدفاتر».
وفي لفتة وفاء ؛ جاء التكريم ليؤكد أن الأوطان لا تُبنى بالعناوين وحدها، بل بالتفاصيل الصادقة؛ فكم من جهدٍ صامتٍ كان، كما يقول الحكماء، «أبلغ من الضجيج».
إن الشكر هنا ليس مجاملة، بل شهادة حق لجمعية الثقافة والفنون بالطائف التي قدمت الثقافة في أنقى تجلياتها جسراً بين الفن والوطن..ففي مثل هذه الأمسيات ؛ يتجلى المعنى العميق للهوية؛ إذ الثقافة الأصيلة لا تنفصل عن العقيدة، ولا تتعارض مع الرشد، بل تتماهى معه.
{وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} — آية تؤسس لفلسفة الاعتدال، وترسّخ وعيًا يرى أن التوازن ليس ضعفًا بل كمال.
وقال ﷺ: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه»، وكأن الإتقان كان روح الأمسية؛ تنظيمًا، ورسالة، وأثرًا.
ومن الوفاء ؛ أن يُذكر الإعلامي الشاعر خالد الحارثي، الذي كان حضوره خلف المشهد بقدر حضوره فيه؛ يهيئ المكان، وينتقي الزمان، ويترك بصمة إنسانية تؤكد أن النجاح لا تصنعه الأسماء وحدها، بل تصوغه روحٌ جماعية تؤمن أن «يد الله مع الجماعة».
هكذا كانت ليلة الطائف: ليست احتفاءً بالتاريخ، بل مصافحةً له..ليلةٌ أدركنا فيها أن يوم التأسيس ليس محطةً في الماضي، بل مسارًا مفتوحًا في الوعي. وأن الوطن الذي بدأ سطره الأول قبل قرون؛ لا يزال يكتب فصوله برجالٍ ونساءٍ يؤمنون أن المجد لا يُورث بل يُصان.
إنه يوم التأسيس… تاريخٌ يُقرأ ليُتجاوز.
نتجاوزه وفاءً لا جحودًا، وامتدادًا لا قطيعة.
فالأمم الحيّة، كما قال الحكماء، «تمضي إلى المستقبل وهي تمسك بيد الماضي، لا لتعود إليه، بل لتمنحه معنى».
وهكذا يبقى الوطن فكرةً تمشي في الزمن، لا يحدّها تاريخ، ولا يختصرها احتفال؛ لأنه ببساطة… بدايةٌ لا تنتهي.