النهار

٢٦ فبراير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٦ فبراير-٢٠٢٦       24585

بقلم ـ عبد المحسن محمد الحارثي

قال تعالى:﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾

وقال ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».

وهنا يلتقي الإيمان بالمسؤولية، ويغدو إصلاح الأرض امتدادًا لإصلاح النفس، وتتحول الاستدامة من مصطلحٍ تقني إلى قيمةٍ أخلاقية.

في زمنٍ تتسارع فيه الحضارة أكثر مما تتأمل، وتنتج أكثر مما تعي ؛ يصبح السؤال الحقيقي: هل نتقدم فعلًا، أم نُراكم آثارنا بصمت؟

ومن قلب هذا السؤال ؛ تبرز  كسوة السعودية  بوصفها تجربة تعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان وما يخلّفه، بين الاستهلاك والمعنى، بين الفائض والواجب.

وقد كتب الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر:

«الخطر لا يكمن في التقنية، بل في الطريقة التي ننظر بها إلى العالم».

وهنا تتجلى الفكرة: ليست المشكلة في الأشياء التي نستهلكها، بل في وعينا بها بعد أن تفارق أيدينا.

أولًا: التجميع … أخلاق الأشياء بعد استعمالها

الركيزة الأولى في هذا النموذج تبدأ من حيث ينتهي الآخرون:

تجميع الفائض من الملابس المستعملة والتالفة، لا بوصفه عملًا خدميًا، بل مراجعة هادئة لفلسفة الاستهلاك نفسها.

فالأشياء - كما يقول غاستون «تحمل ذاكرة خفية لا يراها إلا من يُحسن التأمل».

وما يبدو فائضًا في أعيننا قد يكون موردًا في ميزان الحكمة.

إن التجميع هنا ليس حركة لوجستية، بل فعلٌ ثقافي يعيد الاعتبار لفكرة “الأثر”، ويكسر وهم القطيعة بين ما نستخدمه وما نتركه خلفنا..هو انتقال من عقلية الإلقاء إلى أخلاق الامتداد، ومن لحظة الاستهلاك إلى مسؤولية ما بعده.

ثانيًا: التوزيع… حين تتحول الاستدامة إلى وجه إنساني

لكن الفكرة لا تكتمل إلا حين تعبر إلى الإنسان.

ومن هنا ؛ يأتي مشروع «سوق كسوة» الذي يبلغ ذروته في رمضان هذا العام تحت عنوان: كسوة العيد.

ففي موسم 1447هـ – 2026م، سيجري توزيع نحو أكثر من 150 ألف كسوة عيد جديدة، لا كإحصاءٍ رقمي، بل كتجربة شعورية تحفظ الكرامة قبل أن تقدم العطاء..حيث يعيش المستفيد تجربة اختيار تشبه الأسواق، لكنها مغمورة بروح الرحمة.

وسيُقام السوق في ثلاث مناطق رئيسية داخل المملكة:

 • في منطقة الرياض - الرياض 

 • وفي المنطقة الغربية وتحديدًا جدة

 • إضافة إلى المنطقة الشرقية

ضمن تنظيمٍ يعيد تعريف العمل الخيري من “توزيع الحاجة” إلى “صناعة الكرامة”.

وقد قال ألبير كامو:

«الكرامة هي أن تعطي دون أن تُشعر الآخر بثقل الأخذ».

وهذا بالضبط ما تحاوله هذه التجربة: أن تجعل الفرح طبيعيًا لا استثنائيًا، وأن تبدو اليد المعطية غير مرئية إلا في أثرها.

بين الركيزتين… فلسفة دائرة مكتملة

هنا تتشكل فرادة النموذج:

نجمع لنحمي الأرض، ونوزع لنحمي الإنسان.

وما بين الحمايتين تولد الفكرة.

إنها استعادة لمعنى قديم عبّر عنه الفيلسوف الروماني سينيكا حين قال:

«لسنا فقراء بما نملك، بل بما نهدر».

فالاستدامة في جوهرها ليست اقتصاد موارد، بل اقتصاد معنى.

وفي حكمة صينية قديمة:

«إذا أردت أن تعرف حضارة أمة ؛ فانظر كيف تتعامل مع ما يتبقى منها».

وهنا يظهر الفرق بين مجتمع يستهلك، ومجتمع يعي، ومجتمع يصنع من الوعي مشروعًا.

ليست التنمية أن ننتج أكثر، بل أن نترك أقل.

وليست الرحمة أن نعطي فقط، بل أن نحفظ للإنسان صورته وهو يأخذ.

وفي زمنٍ يكثر فيه الحديث عن الاستدامة ؛ تظل التجارب الصادقة وحدها القادرة على تحويل المفهوم إلى حياة..تلك التي تبدأ من الأرض، ولا تنتهي إلا عند الإنسان.

وهنا، بين يدٍ تجمع لتخفف عبء الكوكب، ويدٍ تمنح لتضيء قلب العيد ؛ تتشكل لحظة نادرة يتصالح فيها المعنى مع الفعل.

فإن كان للأفكار أعمار ؛ فإن أجملها ما عاش في الواقع، وإن كان للمبادرات خلود ؛ فإن أبقاها ما كُتب في وجوه الناس لا في الأوراق.