النهار

١٦ فبراير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٦ فبراير-٢٠٢٦       11550

بقلم - عبدالله الكناني 
إذا أقبل رمضان أقبلت معه البشائر، وتهادت في الأفق نسمات الرحمة، كأن السماء تفتح ذراعيها للأرض، وكأن القلوب تتأهب لعرسٍ إيمانيٍ لا يشبهه موسم،شهرٌ تُفتّح فيه أبواب الجنان، وتُغلّق أبواب النيران، وتُصفّد الشياطين، فيبقى الإنسان وجهًا لوجهٍ أمام روحه، وأمام ربه، وأمام حقيقة سيره في هذه الحياة.

*رمضان* ليس زمنًا يُقاس بالأيام، بل حالةٌ إيمانيةٌ تُقاس بقدر ما تُزهر في القلب من نور، وما يتهذب في النفس من خلق، وما يصفو في السريرة من نية. هو المدرسة التي خرّجت جيل الصحابة، وربّت الأمة على نهج محمد ﷺ؛ نهج الرحمة، والانضباط، والتقوى، والعمل.

في هذه المدرسة الإيمانية نتعلم أول الدروس: *الصبر* فالصائم يمسك عن شهواته طاعةً لا عادة، ويؤثر أمر الله على رغبات النفس، فيرتقي من عبودية الجسد إلى حرية الروح. 
*الصبر* هنا ليس مجرد احتمال، بل وعيٌ بأن الجوع لحظات، وأن رضوان الله غاية,ومن هذا الصبر تنبثق التقوى، تلك الرقابة الداخلية التي تجعل العبد مستقيمًا في خلوته كما هو في جلوته، في صومه كما في فطره.

ونتعلم في رمضان *الانضباط؛* إذ تتبدل المواعيد وتُعاد صياغة الأولويات، فيدرك المؤمن أن حياته يمكن أن تُدار وفق ميزان الطاعة لا وفق فوضى الهوى,قيام الليل يعلّمنا أن للقلب موعدًا مع السماء، وقراءة القرآن تعيد ترتيب الفوضى الداخلية بنور الوحي، والصدقة تذكّرنا أن المال وسيلة لا غاية، وأن اليد العليا خير وأبقى.

على نهج محمد ﷺ، كان رمضان شهر جودٍ ورحمة،كان ﷺ أجود ما يكون في رمضان، وكأن الصيام يفتح في القلب نبعًا لا ينضب من العطاء،وهنا تتجلى قيمة *التكافل*؛ فالجوع الذي يختبره الصائم ليس لإيلام الجسد، بل لإيقاظ الإحساس بالفقير، وبناء مجتمعٍ يشعر بعضه ببعض,فتمتد الموائد، وتتلاقى الأيدي، وتلين القلوب.

ثم تأتي لحظات السحر، حيث السكون يعمّ، والنجوم شاهدة، والعبد بين يدي ربه يناجيه,هناك يتجلى درس *الصدق*؛ أن تكون أنت كما أنت أمام الله، بلا أقنعة ولا ادعاء,وفي الإفطار درس *الشكر*؛ قطرة ماءٍ تُذكّرك بنعمةٍ كنت تغفل عنها، ولقمة خبزٍ تُعيد تعريف الرضا.

وفي ثنايا هذا الشهر تتلألأ *ليلة القدر*، ليلةٌ هي خيرٌ من ألف شهر، كأنها مكافأة الساعين، وجائزة المجتهدين، ورسالة بأن لحظة صدقٍ قد تعادل عمرًا من الغفلة.

*رمضان*، في حقيقته، ليس امتناعًا عن الطعام والشراب، بل امتناعًا عن كل ما يُنقص إنسانيتنا ويشوّه أرواحنا,هو تهذيبٌ للسان، وتطهيرٌ للبصر، وتزكيةٌ للقلب. 
هو عودةٌ واعيةٌ إلى الله، وتجديدٌ للعهد معه، واستعادةٌ لملامحنا الإيمانية التي قد تُغطيها غبار الأيام.

*فمرحبًا بك يا شهر الخير والغفران*، يا شهر الرحمة والقرآن. 
مرحبًا بك مدرسةً تُعيد بناء الإنسان على نهج محمد ﷺ؛ تزرع فينا التقوى، وتُثمر فينا الرحمة، وتُعلّمنا أن الطريق إلى الله يبدأ بخطوة صدق، ويُثمر حياةً مطمئنة.

*نسأل الله أن يبلغنا رمضان، وأن يجعلنا فيه من المقبولين، وأن يكتب لنا فيه نصيبًا من رحمته ومغفرته وعتقه من النار، وأن يختم لنا الشهر وقد تغيّرنا إلى الأفضل، قلوبًا أنقى، وأعمالًا أزكى، وأرواحًا أقرب إلى السماء.*