الكاتب : النهار
التاريخ: ١٦ فبراير-٢٠٢٦       12925

النهار- الرياض

في مساء ثقافي اتسم بالعمق والتأمل، وضمن مبادرة الشريك الأدبي، نظّم مقهى قيصرية الكتاب في كوفي ساجو جلسة حوارية استضافت الكاتب والإعلامي الأستاذ عبدالله الحسني، في أمسية جاءت بعنوان: "هل نكتب… أم نُنسخ؟ الكتابة والإبداع في زمن البرادايم الخوارزمي»، بحضور نوعي من المهتمين بالفكر والكتابة وأسئلة الإنسان المعاصر أمام تحولات الذكاء الاصطناعي.
منذ البداية انطلقت الأمسية بطابع فلسفي، تجاوز الطرح التقليدي، عبر أسئلة مثيرة للساكن والركود من قبل مدير الحوار الأستاذ محمد العبدالوهاب الذي برع في استخراج مضامين فكرية أثرت النقاش. وبدت ورقة الحسني كرحلة فلسفية داخل البنية العميقة للكتابة نفسها.

وقد استهل الحسني ورقته باعتراف وجودي لافت، مفاده أن القلق لم يعد حول قدرة الذكاء الاصطناعي على الكتابة، بل حول الفرق الوجودي بين نص يُكتب لأنه ضرورة داخلية، ونص يُكتب لأنه مجرد احتمال ضمن نموذج.

وهنا، انتقل بالسؤال من التقنية إلى الإنسان، ومن الأداء إلى الوعي، متتبعًا كيف أعاد "البرادايم الخوارزمي" تشكيل فهمنا للذات، وللإبداع، وللكتابة بوصفها حدثًا لا مجرد تطبيق.
توزعت محاور الورقة على مفاهيم محورية، أبرزها تحوّل الإنسان من تجربة مفتوحة إلى نموذج قابل للنمذجة، ودور اللدونة الدماغية في تشكيل التفكير تحت تأثير التكرار، وصولًا إلى ما وصفه بـ«التعفن الدماغي» بوصفه حالة انغلاق لا ناتجة عن العجز، بل عن التكيف مع أنماط متكررة لا تستدعي الاكتشاف.

وفي هذا السياق، قدم الحسني قراءة عميقة للذكاء الاصطناعي، ليس كخصم للإنسان، بل كمرآة تكشف إلى أي مدى كانت بعض الكتابة البشرية نفسها متوافقة مع النماذج، مؤكدًا أن جوهر الكتابة الحقيقية يكمن في تلك اللحظة التي يخرج فيها الإنسان من المتوقع إلى الممكن غير المتنبأ به.
كما شهدت الأمسية تفاعلًا لافتًا من الحضور، حيث أغنت المداخلات النوعية مسار الحوار، ومن بينها مداخلات عبدالله العمري، والدكتور خالد الخضري، ومنيرة المشخص، والدكتورة مزنة العتيبي، وأحمد الحربي، الذين أسهموا بأسئلتهم وتأملاتهم في توسيع دائرة النقاش، وتحويل الجلسة إلى مساحة تفكير جماعي حول مستقبل الكتابة ومعنى الإبداع في زمن تتقاطع فيه الذات مع النموذج.
وفي ختام الأمسية، ترك الحسني الحضور أمام السؤال الأكثر عمقًا وبساطة في آن واحد: هل لا نزال نكتب بوصف الكتابة حدثًا يغيرنا، أم أننا – بهدوء- بدأنا نُعيد إنتاج أنفسنا كنماذج؟
وفي ختام الأمسية تم تكريم الأستاذ عبدالله الحسني بدرع تذكاري قدمه مقهى قيصرية الكتاب، وسلمته الدكتورة مزنة العتيبي.