النهار

١٥ فبراير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٥ فبراير-٢٠٢٦       14630

بقلم -  الدكتور م. معجب بن عبدالرحمن العضياني

شهد قطاع المياه في المملكة العربية السعودية خلال العقد الماضي تحولاً هيكلياً عميقاً، قادته الاستراتيجية الوطنية للمياه 2030، التي أرست قواعد حوكمة حديثة، وفصلت بين المنظم والمشغل، ووسّعت مشاركة القطاع الخاص، ورفعت كفاءة التشغيل والاستدامة. هذه الإصلاحات نقلت القطاع من نموذج إداري تقليدي إلى نموذج مؤسسي أكثر انضباطاً وشفافية.
لكن مع استقرار البناء التنظيمي، يبرز تحدٍ اقتصادي أكثر تعقيداً:
هل نكتفي بإدارة المياه بكفاءة تشغيلية، أم ننتقل إلى إدارة المياه باعتبارها أصلاً اقتصادياً سيادياً يجب تعظيم عائده؟
بحسب أحدث بيانات الهيئة العامة للإحصاء لحسابات المياه لعام 2023، تمثل المياه الجوفية غير المتجددة نحو 62٪ من إجمالي إمدادات المياه الطبيعية في المملكة، مقابل نحو 21٪ للمياه الجوفية المتجددة. هذه النسبة ليست مجرد رقم تقني، بل تعكس اعتماداً اقتصادياً كبيراً على مخزون غير متجدد، ما يعني أن كل متر مكعب مستخرج اليوم يحمل تكلفة فرصة بديلة طويلة الأجل.
في المقابل، ارتفعت كميات المياه المعاد استخدامها إلى نحو 555 مليون متر مكعب في 2023، بزيادة تقارب 12٪ عن العام السابق، وهو تطور إيجابي يعزز كفاءة استخدام المورد ويخفف الضغط على المخزون الجوفي. إلا أن إعادة الاستخدام، رغم أهميتها، لا تزال بحاجة إلى ربط أوضح بالعائد الاقتصادي، وليس فقط بالبعد البيئي.
الأرقام تكشف عن مفارقة مهمة: بينما تُستثمر مليارات الريالات في التحلية والنقل والبنية التحتية ولا يوجد حتى الآن إطار اقتصادي شامل يقيس القيمة المضافة المتحققة من كل متر مكعب في القطاعات المختلفة.
القطاع الزراعي، على سبيل المثال، يستهلك ما يزيد على 80٪ من إجمالي الطلب على المياه وفق الاستراتيجية الوطنية، مع وجود فجوة في كفاءة الري مقارنة بأفضل الممارسات العالمية. من منظور اقتصادي بحت، يصبح السؤال مشروعاً: هل يتم تخصيص المورد المائي النادر للاستخدام الأعلى عائداً على الاقتصاد الوطني؟
تكلفة إنتاج المياه في المملكة خاصة من خلال التحلية بطبيعتها مرتفعة بسبب الموقع الجغرافي وشح الموارد الطبيعية ومع التوسع في مشاريع النقل والشبكات، تتضاعف الكلفة الرأسمالية والتشغيلية. لذلك فإن النقاش لم يعد متعلقاً بخفض التكلفة فقط، بل بكيفية تعظيم القيمة المتولدة من هذا الإنفاق.
اقتصاد المياه لا يعني رفع التعرفة فجأة أو تقليص الدعم بصورة صادمة، بل يعني بناء منظومة تحليل مالي متكاملة تشمل:
•    احتساب تكلفة الفرصة البديلة للمياه الجوفية غير المتجددة.
•    قياس العائد الاقتصادي لكل متر مكعب في الزراعة والصناعة والخدمات.
•    إعادة توجيه الدعم تدريجياً نحو الاستخدامات الأعلى إنتاجية.
•    تطوير مؤشر وطني لقياس القيمة المائية يربط بين الاستثمار والأثر.
التحول الرقمي يمكن أن يكون الأداة الحاسمة في هذه المرحلة. البيانات الموحدة، النماذج الرقمية للبنية التحتية (Digital Twin)، والتحليل التنبؤي للطلب، كلها أدوات لا تقتصر على تحسين الخدمة، بل ترفع كفاءة القرار الاستثماري وتحد من الهدر وتدعم كفاءة الإنفاق العام.
من منظور مالي، فإن استمرار اعتماد 62٪ من الإمدادات الطبيعية على مياه غير متجددة يفرض تفكيراً استراتيجياً مختلفاً. المورد هنا ليس مجرد عنصر إنتاج، بل أصل رأسمالي طبيعي يجب التعامل معه ضمن إطار إدارة أصول وطنية طويلة الأجل.

المملكة نجحت في إدارة الندرة بكفاءة تنظيمية وتشغيلية. المرحلة التالية تتطلب إدارة الندرة بعقلية اقتصادية أعمق. فكل متر مكعب يجب أن يُنظر إليه كاستثمار، لا كتكلفة فقط. وكل قرار تخصيص للمياه يجب أن يخضع لتحليل عائد وبدائل، تماماً كما يحدث في إدارة الأصول المالية.
التحول من "إدارة المورد" إلى "اقتصاد المورد" ليس تغييراً في الشعارات، بل تطور طبيعي لمسار إصلاحي بدأ بالفعل. ومع التقدم المؤسسي الذي تحقق، قد يكون الوقت مناسباً للانتقال إلى مرحلة تعظيم القيمة الاقتصادية للمياه بوصفها أحد أهم الأصول السيادية للمملكة.
المياه ليست عبئاً مالياً يجب احتواؤه، بل أصل استراتيجي يمكن أن يتحول إلى رافعة للاستقرار المالي والتنمية المستدامة، إذا أُدير بعقلية اقتصاد القيمة.