النهار
بقلم- عبدالمحسن محمد الحارثي
تأتي الثقة الملكية بتعيين صاحب السمو الملكي الأمير فواز بن سلطان بن عبدالعزيز آل سعود أميرًا لمحافظة الطائف في سياقٍ وطنيٍّ يتجاوز الإطار الإداري إلى المعنى التنموي والوجداني فبعض القرارات لا تُقرأ بوظيفتها فحسب، بل بما تحمله من رسائل؛ لأنها تفتح أبواب المراحل قبل أن تفتح ملفات العمل.
يستقبل أهالي الطائف هذا التعيين بروحٍ تجمع بين الاعتزاز والتطلّع؛ إذ تدرك المدن الواعية أن جودة المراحل تُقاس بجودة بداياتها.
والبدايات حين تأتي بثقةٍ عليا ؛ تمنح المجتمع طمأنينة الاتجاه قبل تفاصيل الإنجاز.
*إرثٌ يُستحضر… وقيمٌ تتجدّد*
وتحضر في الذاكرة سيرة والده، الأمير سلطان بن عبدالعزيز آل سعود -رحمه الله- الذي ارتبط اسمه في وجدان السعوديين بالتواضع العملي، والكرم الأصيل، والحكمة الهادئة..وقد درج الحكماء على القول:
“القادة يُقاس أثرهم بما يتركونه في القلوب قبل السجلات".
وكان -رحمه الله - من أولئك الذين صنعوا حضورهم بالإنسان قبل العنوان.
وفي أدبيات القيادة الحديثة ؛ يُعدّ “الإرث القيمي” رأس المال الأكثر استدامة؛ لأنه ينتقل بالسلوك لا بالاسم.
ومن هنا تتعاظم التطلعات بأن تمضي المرحلة الجديدة بروح المدرسة نفسها: قربٌ من الناس، وقرارٌ متزن، وحضورٌ يجمع بين الحزم والإنصات.
الطائف… مدينة المعنى
الطائف ليست موقعًا جغرافيًا فحسب، بل حالة وجدانية..عروس المصائف، وذاكرة الصيف السعودي، ومدينة تجمع بين اعتدال الطبيعة وعمق التاريخ.
وقد قال الفلاسفة إن المدن التي تملك روحًا لا يحدّها مكان، والطائف من تلك المدن التي صنعت هويتها من عبقها لا من حدودها.
وفي علم التخطيط الحضري ؛ يؤكد الخبراء أن المدن الناجحة هي التي تحوّل جمالها الطبيعي إلى قيمةٍ تنمويةٍ مستدامة.
والطائف، بما تملكه من مقومات سياحية وثقافية وإنسانية ؛ تقف اليوم أمام فرصةٍ لتعميق حضورها بوصفها نموذجًا يجمع بين الأصالة والتجدد.
الرياضة… حين تُصبح هوية
ومن بين التطلعات التي تتردد في وجدان أبنائها ؛ يبرز الطموح إلى حضورٍ رياضيٍّ أكثر رسوخًا، لا سيما في كرة القدم.
فالرياضة لم تعد نشاطًا ترفيهيًا، بل صناعة هوية..ويقول خبراء الاقتصاد الرياضي:
“الرياضة الحديثة استثمار في الانتماء قبل أن تكون منافسة على النتائج".
كما يردد المدربون:
“كرة القدم لغة مشتركة لا تحتاج إلى ترجمة".
وهي - كما يصفها المجربون - أقصر الطرق إلى وجدان الشباب، وأسرع الجسور لبناء الروح الجماعية.
مدينة بمكانة الطائف ؛ تتطلع إلى كيانٍ رياضيٍّ يختصر اسمها في الملاعب كما يختصرها النسيم في الذاكرة؛ كيانٍ يمنح شبابها منصة حلم، ويجعل حضورها الرياضي امتدادًا طبيعيًا لحضورها السياحي والثقافي.
بين الفلسفة والإدارة
يقول أرسطو إن “البداية نصف كل شيء”، بينما تضيف خبرات الإدارة أن النصف الآخر تصنعه استمرارية المعنى.
وبين هاتين الحكمتين تتحدد ملامح أي مرحلة: وضوح الرؤية، واتساق القرار، وقدرة القيادة على تحويل التطلعات إلى واقع.
وفي أمثال العرب:
“إذا صلح الرأس صلح الجسد".
وهو معنى يتردد في أدبيات الحوكمة الحديثة، حيث تنعكس جودة القيادة مباشرة على جودة التنمية، وعلى مستوى الثقة المجتمعية، وهو الأساس الحقيقي لأي نهضة محلية مستدامة.
مرحلة تُستقبل بالثقة
إن تعيين سمو الأمير فواز بن سلطان يأتي في لحظة وطنية تتسارع فيها التحولات وتتسع فيها الفرص، ما يمنح المدن ذات العمق التاريخي -كحال الطائف - مساحةً أوسع لإعادة تقديم نفسها برؤية متجددة..فالمدن التي تعرف تاريخها جيدًا ؛ تكون أقدر على صناعة مستقبلها بثبات.
ويقول الحكماء:
“المستقبل لا يُنتظر… بل يُبنى".
والبناء هنا ؛ لا يقتصر على المشاريع، بل يشمل بناء الإنسان، وتعزيز الهوية، وصناعة الأثر الذي يبقى بعد اكتمال المنجز.
ترحيب يتجاوز العبارة
وإذ يعبّر أهالي الطائف عن ترحيبهم بسموه ؛ فإنهم يعبّرون عن ثقةٍ بمرحلة، لا مجرد تحية لشخص.
ترحيبٌ يستند إلى إرثٍ من القيم، ويتطلع إلى أفقٍ من الطموحات، ويقوم على يقينٍ بأن المدن التي تُحسن استقبال مراحله ؛ تُحسن صناعة مستقبلها.
فالقيادة - كما يقول المجربون - ليست موقعًا يُشغل، بل معنى يُصاغ.
وإذا اجتمع الإرث الصادق مع الرؤية الواضحة ؛ وُلدت المراحل التي تُذكر طويلًا.
وهكذا تقف الطائف على عتبة فصلٍ جديد، تستحضره بذاكرةٍ وفية، وتستقبله بثقةٍ هادئة، وأملٍ بأن تمضي نحو آفاقٍ أوسع من التنمية والتميز؛ مدينةً تعرف كيف تحافظ على أصالتها وهي تعانق تجددها.