النهار

١٢ فبراير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٢ فبراير-٢٠٢٦       11330

بقلم - جمعان الكرت 

تزخر منطقة الباحة بالكثير من الموروث المعماري، المتمثل في المباني الحجرية التقليدية التي تنتشر في أنحاء المنطقة، وخصوصًا في سنام السراة.
وتُمثّل تلك المباني ثقافة أجيال سابقة أحسنت التعامل مع الخامات البيئية المتوفرة، كالأحجار وأخشاب العرعر والطلح. فجاءت هندسة البناء قائمة على اختيار المواضع المناسبة، مراعاة لأشعة الشمس وهبوب الرياح، واستثمار سفوح الجبال بعيدًا عن المدرجات الزراعية. ونلحظ أن اختيار مواقع القرى كان دقيقًا؛ إذ تُشرف على بطون الأودية والمساحات الفضاء، لاعتبارات متعددة، منها الجانب الأمني باختيار مواقع مرتفعة تسهّل الرؤية لمسافات بعيدة، فضلًا عن متابعة الحقول الزراعية.
تأتي بعد ذلك عملية البناء برضم المداميك الحجرية السميكة التي يزيد عرضها على متر، لتحقق فائدة كبيرة تتمثل في حفظ الحجرات الداخلية من برد الشتاء وقيظ الصيف، إلى جانب تماسك البنيان وقدرته على مقاومة الظروف المناخية، ولا سيما الأمطار.
وعند إحكام بناء المداميك يُنصب «الزافر» المرزّح في منتصف البيت، ليحمل على هامته «البطن»، وهي أخشاب متساوية مهذبة من أشجار العرعر، تعضدها «السواري» وهي أخشاب أكثر عرضًا وسمكًا، تساعد الزافر في حمل السقف المكوّن من الطين اللازب وأنواع من الأعشاب التي تزيده تماسكًا.
ومن العادات التعاونية الجميلة لدى سكان القرى أنه عند اقتراب الانتهاء من البناء والاستعداد لوضع الطين على السقف، يشارك أفراد القرية رجالًا ونساءً في هذه المهمة؛ فيحمل الرجال التراب ويضعونه على السقف، فيما تجلب النسوة الماء في القِرَب من الآبار المجاورة لتيسير تحويل التربة إلى طين. وما إن يكتمل العمل حتى يقيم صاحب المنزل وليمة عشاء ابتهاجًا وإكرامًا لمن ساعدوه من أهل القرية.
ولا ينسى البنّاء، بخبرته، المفردات الداخلية في توزيع الحجرات، وترك فتحات دائرية تسمح بدخول ضوء الشمس والهواء. ويكتمل العمل بحرفية النجار الحاذق الذي ينقش الزافر نقوشًا بديعة بأدواته الحديدية، كما يزيّن النوافذ والمصاريع برسومٍ تضفي على المكان بعدًا جماليًا يوازي متانته.
ويرتكز البناء التقليدي في الباحة على ثقافة اجتماعية تعارف عليها الأهالي، بتخصيص مجلس للضيوف، وغرف للنوم، وترك الدور الأرضي – ويُسمّى «السُّفل» – للدواب والتبن.
وقد هُجرت كثير من المنازل الحجرية، واستُبدلت بمبانٍ أكثر حداثة من الطوب والإسمنت والحديد، فيما بادر بعضهم – وهم قلة – إلى ترميم منازلهم وإصلاحها لتكون مزارات سياحية وتراثية تحفظ هوية المكان.
إن إهمال هذه المباني يفضي إلى تصدّعها مع مضي السنين، كما يؤدي إلى نسيان ما ارتبط بها من ثقافة شفاهية، سواء المفردات المستخدمة في البناء أو تفاصيل العمارة التقليدية؛ فلكل جزء في المبنى اسمه ودلالته، ومن ذلك: الحوش، الشيدة، الزافر، السدة، النافذة، المصراع، الدرج، البطن، السفل، العليّة، الملّة، الجون، القطران، المرو، الميفا، الرف، الرصد،  الرص ،الحلانة، السهوة، السطح، الضبة، العتبة، العريش، الملقف، وغيرها كثير.
وأخشى – كما تخشون – زوال هذا الموروث الشفهي مع استمرار إهمال تلك المباني التقليدية؛ إذ إن ضياع المباني يفضي  إلى ضياع  قصة بنائها ، وإذا صمتت الجدران  والأبواب والطرقات صمتت معها ذاكرة المكان..