النهار
بقلم ـ حجاز مصلح
في ظل التحوّل الكبير الذي تشهده المملكة العربية السعودية نحو مستقبل رقمي مزدهر، لم يعد الحفاظ على الهوية الثقافية خياراً مؤجلاً، بل أصبح ركيزة أساسية في بناء الإنسان حيث تتقدم التنمية جنباً إلى جنب مع الحفاظ على الجذور. وفي هذا المشهد المتحول، يبرز التراث الثقافي الرقمي كحلقة وصل يربط بين إرث الماضي وطموحات المستقبل، فكما حفظ الرواة أخبار الأمس في الصدور والسطور، تأتي الرقمنة اليوم لتكون وعاءً جديدًا لحفظ الهوية من ضياع الذاكرة أو تلف المادة.
ومع تسارع الحياة واندثار التفاصيل الدقيقة، تتحول الرقمنة إلى وسيلة لإحياء ذاكرة لا تتأثر بعوامل الزمن، حيث يمكن للنقوش الصخرية في جبال المملكة التي شهدت مرور القوافل وتعاقب والحضارات أن تتحول إلى نصوص تفاعلية تصل إلى أبنائنا في المنازل والمدارس، كما يمكن للألوان الزاهية للبيوت الطينية في عسير والأسواق القديمة في الرياض وأصوات الأهازيج الشعبية أن تجد حياة جديدة في الفضاء الرقمي، محفوظة بدقة ومروية بسرد جميل، ليصبح التراث جزءاً حياً من المشهد الثقافي المعاصر.
ولا يقتصر الأمر عند حدود التوثيق فحسب، بل يمتد إلى إعادة الحياة للتجربة الثقافية نفسها ، فالتراث الرقمي يفتح حوارًا بين الأجيال، بحيث يمكن للجدّة أن تصطحب حفيدها في جولة افتراضية بين أزقة الحي الذي ترعرعت فيه، ويمكن للباحث أن يدرس ويتأمل قطعة أثرية نادرة دون لمسها حفاظاً عليها، ما يحول التراث من مادة صامته تعرض خلف زجاج المتاحف إلى عالم نعيشه ونتفاعل معه. ومن هنا، تبرز الفرص الاقتصادية والإبداعية، فالصور الأرشيفية الرقمية قد تلهم مصممي الأزياء لابتكار مجموعات تجمع بين الأصالة والمعاصرة، والموسيقى التقليدية المحوّلة إلى صيغة رقمية يمكن أن تتحول إلى أعمال فنية بروح حديثة، وحتى الأساطير والحكايات الشعبية قد تتحول إلى محتوى تعليمي وألعاب تفاعلية تعزز القيم والهوية، لتكون الرقمنة بذلك استثمارًا في الماضي لصناعة مستقبل مزدهر أكثر اتصالاً بجذوره.
وقد تجسّدت هذه الرؤية في مشاريع رقمية ملموسة تقوم بها قطاعات المتاحف والتراث ، والتي فتحت نوافذ رقمية على كنوز المملكة الثقافية، وأتاحت لها الوصول إلى شرائح أوسع من المجتمع.. ورغم ضخامة هذا المشروع الوطني الكبير وما يواجهه من تحديات تقنية وبشرية، إلا أن تضافر الجهود في توطين التقنيات وتأهيل وتدريب الكوادر المتخصصة في توثيق وإدارة التراث الرقمي يعزز من فرص النجاح، ويضمن تنشئة أجيال أكثر وعياً بتراثها، ليصبح هذا المسار ليس مجرد حفظ للماضي، بل إعدادًا متكامل للمستقبل.
وعالميًا، يمنح التراث الرقمي المملكة صوتًا ثقافيًا مؤثرًا، إذ تتيح المنصات الرقمية للعالم الاطلاع مباشرة على كنوزنا الحضارية دون تشويه، فتتحول النقوش والمخطوطات والصور المرقمنة إلى سفراء ثقافيين يروون حكايات التاريخ بلسان العصر، ويعزّزون حضور المملكة في المحافل الثقافية الدولية بوصفها دولة تعرف ماضيها وتقدمه بثقة إلى العالم.
وقد خطت المملكة خطوات راسخة في هذا المسار ، إلا أن الرحلة مازالت طويلة، الأمر الذي يتطلب تعاون وتظافر جهود المؤسسات الثقافية والتعليمية والتقنية، ورعاية المواهب الشابة التي تجمع بين فهم التراث وإتقان التقنية، إلى جانب سياسات متوازنة تتيح الاستفادة من هذا التراث مع الحفاظ على حقوقه. فالتحول الرقمي للتراث ليس مسؤولية جهة بعينها فحسب، بل التزام وطني تشارك فيه الجامعات ومراكز البحث والمبدعون وكل أفراد المجتمع.
وفي الختام، فإن العناية بإرثنا الوطني الرقمي هو ضمان لاستمرار هويتنا ووجودنا، فهو الجسر الذي يربط بين تاريخنا العريق ومستقبلنا الواعد، ويجعل من تراثنا رفيقًا في مسيرة التقدم لا مجرد ذكرى تُترك خلفنا، فلنعمل جميعًا على تحويل هذا الكنز الثقافي إلى إرث رقمي يلهم الأجيال، ويرسخ صورة المملكة كدولة تشرق من عمق تاريخها نحو آفاق مستقبل مشرق، حاملة إرث الأجداد وروح العصر في آن واحد.