النهار

٠٨ فبراير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٨ فبراير-٢٠٢٦       13310

بقلم - علي بن عيضة المالكي

تمثل المدرسة البداية العميقة لتشكّل الوعي الإنساني، ففيها تتكوّن ملامح الشخصية، وتتأسس علاقة الفرد بالمعرفة، وينمو الإحساس بالمسؤولية تجاه الذات والمجتمع. هذا الفضاء التربوي يصنع الإنسان القادر على التفكير المستقل، ويهيئ العقل لاستقبال الأسئلة الكبرى بروح إيجابية، ويغرس القيم التي تمنح الإبداع معناه الحقيقي.
في المدرسة يتدرّب الطالب على التأمل والتحليل، ويتعلّم أن المعرفة ممارسة يومية، وأن الفكرة تحتاج صبرًا وانضباطًا كي تنضج. البيئة التعليمية الواعية تفتح مساحات للتجربة، وتمنح الطالب فرصة الاكتشاف، وتحوّل الفضول الفطري طاقة منتجة. هنا يبدأ الإبداع بوصفه سلوكًا ذهنيًا، وينمو كقدرة على الربط والفهم وصناعة الحلول.
المعلم في هذا السياق يؤدي دورًا محوريًا يتجاوز حدود الشرح التقليدي، فهو موجّه للفكر، وراعٍ للقيم، وصاحب أثر ممتد في تشكيل الوعي. حين يمتلك المعلم رؤية تربوية عميقة، يصبح الصف مساحة حوار، وتتحول الحصة التعليمية تجربة ثرية تُنمّي الثقة وتُعزّز الجرأة الفكرية. بهذا التفاعل الإنساني الراقي تتكوّن لدى الطالب القدرة على التعبير، وتتجذر لديه الرغبة في التميز.
المدرسة الناجحة ترتكز على منظومة قيمية متكاملة؛ احترام الوقت، تقدير الجهد، الإيمان بالعمل الجماعي، وتحمل المسؤولية. هذه القيم تصنع شخصية متوازنة قادرة على الإبداع بروح أخلاقية واعية. حين ترتبط المعرفة بالقيم، يصبح التميز هدفًا نبيلًا، ويغدو النجاح انعكاسًا لجهد صادق وعمل منظم.
إن الاهتمام بالموهبة داخلها يمثل استثمارًا وطنيًا بعيد الأثر. فالبرامج النوعية، والأنشطة الإثرائية، والمسابقات الفكرية، والمبادرات الإبداعية تسهم في اكتشاف القدرات الكامنة وصقلها؛ كما أن الطالب الموهوب حين يجد الرعاية والتوجيه المناسبين يتحول عنصر فاعل في التنمية، وقادرًا على تقديم أفكار تصنع الفرق وتخدم المجتمع.
علينا أن نعي بأن التعليم في جوهره مشروع بناء إنساني شامل، والمدرسة هي حجر الأساس في هذا المشروع. فكل تطوير في البيئة التعليمية يعكس إيمانًا بقيمة العقل، وكل دعم للمعلم يعزز جودة المخرجات، وكل عناية بالطالب ترسم ملامح مستقبل أكثر إشراقًا، من هنا تنطلق خطى المبدعين بثبات، ومع كل عقل واعٍ ينهض الوطن بثقة واقتدار.
آخر القول:
ستظل المدارس المنطلق الأول، وفيها تبدأ الحكاية، وحين تُدار برؤية تربوية عميقة تصبح منبعًا للإبداع، وركيزة أساسية في صناعة الإنسان القادر على قيادة الغد بوعي ومسؤولية.