النهار

٠٥ فبراير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٥ فبراير-٢٠٢٦       10725

بقلم: أ. خلف العبدلي
منصات التواصل الاجتماعي بمختلف ألوانها ومسمياتها تعجّ بملايين الرسائل، وهي نعمة عظيمة لمن أدرك فائدتها، وعلم حقّها. وكثير من الناس في مجتمعاتنا يقرأون آلاف الرسائل، ويشاهدون أكثر مما قرؤوا، ويسمعون أكثر مما شاهدوا. وهم بعد ذلك كلّه يعيدون تدوير تلك الرسائل. ومن أبرز تلك نجد (المنصة الخضراء)، هي أكثر وسيلة للتواصل بين الأقارب والزملاء، بل تدخل أحيانًا في أطر العمل وإدارته، وأصبحت عقول الناس فيها صدى إعلاميًا تترامى أطرافه. أما المنتجون الحقيقيون للمحتوى فقليل. لهذا يكون حديثنا هنا عن السواد الأعظم في وسائل التواصل الاجتماعي، الذين تعتمد عليهم المنصات الإعلامية لملء المحتوى، ويديرون رحى ملايين الرسائل الإيجابية والسلبية معًا.
ومن المهم هنا أن نقول إن الوعي مطلوب اليوم أكثر، مع سيل الرسائل، وسهولة وجود محتوى يملأ ساعات البث وصفحات النشر. الوعي لفهم مضامين ما سيحملون على أكتافهم غدًا، ولن أقول على ظهورهم. والتأمل في القراءة، والاستماع الدقيق، ضرورة ملحّة قبل إعادة النشر. وكل ما أرجوه هو ألا يكون المرء وسط منصات التواصل "حطاب ليل" يصرم في النار ما تجمع يداه، وكأنه لا يعلم غثّها من سمينها؛ لأنه قد يكون من بين ما جمع وطرح ما يزكم رائحته الأنوف، ثم تتفرق المجالس والنفوس والقلوب. ولا ينسى الإنسان المسلم العاقل أن اللسان واليد كان عنهما مسؤولًا يوم القيامة. قال الله في كتابه الكريم: "وما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد"، وقال تعالى: (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا).
والواعي من ذكر وأنثى يدرك حقيقة دوره في الحياة، وأن الله لم يخلقنا عبثًا، وكذلك لم يخلقنا لنعبث بالناس. والواجب أن يكون المرء بين أهله ومجتمعه لبنة بناء طيبة تؤكد على قيم المجتمع، وتعزز لحمة الوطن، وتنشر المعرفة البناءة، وتساهم في تقديم محتوى هادف، ليس معول هدم للذائقة والأفكار، وليس بوقًا للإشاعات، أو مثيرًا للفتنة، أو ناشرًا للفحش والبذاءة وما سقط من الأخلاق، أو يكون مرجفًا بالمجتمع يلتقط رسائل عدو متربص، أو حاقد متلون، ويعيدها دون تمحيص في مصدر رسالته وفحواها، أو أن نراه متتبعًا لهفوات الناس وسقطات ألسنتهم.
إن قيمة الإنسان الحقيقية يحددها أمران، هما: ماذا يأخذ؟ وماذا يقدم؟
والانتقائية في القراءة والمشاهدة والاستماع دليل وعي كبير وإدراك مهم. والمرء ليس ملزمًا بالمشاركة اليومية في منصات التواصل، فإذا لم يكن الطرح هادفًا، والرسالة مفيدة، وهناك أثر إيجابي مرجو في الدنيا والآخرة، فتركه أولى. وأن يكون المؤمن كيسًا فطنًا، مدركًا لما يضر مجتمعه ووطنه وأهله ونفسه، فلا يبث ولا يعيد نشر إلا ما يفهمه أولًا، ويعي أبعاد نشره ثانيًا، ويدرك أن فيه خيرًا وصلاحًا وفائدة مبتغاة.
والرشد منشود ونعمة وفضل، والهداية هبة من الله تستجلب بالدعاء وفعل الصالحات، والحكمة ستبقى رأس ما ينشده المؤمن، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا.
نسأل الله السداد في القول والعمل، وأن نقدم وننشر ما يرضي ربنا، ولا يخزينا يوم نلقاه.