النهار
بقلم: عبدالله الكناني
إنها لحظة تاريخية يتسارع فيها تغيّر العالم؛ فلم يعد الإعلام مجرد مرآة تعكس الأحداث، بل غدا أحد أهم الأدوات التي تعيد تشكيل الوعي الجمعي وتوجّه مسارات المجتمعات.
من هذا المنطلق جاءت كلمة وزير الإعلام السعودي الأستاذ سلمان الدوسري في المنتدى السعودي للإعلام تحت شعار (الإعلام في عالمٍ يتشكّل) لتطرح رؤية فكرية عميقة تتجاوز حدود الممارسة الإعلامية التقليدية، وتفتح أفقًا جديدًا لدور الإعلام العربي في الحاضر والمستقبل.
لقد لامست الكلمة جوهر الإشكال الذي يعيشه الإعلام المعاصر، حيث تحوّل في كثير من نماذجه إلى أسيرٍ لاقتصاد الانتباه، تُقاس فيه النجاحات بعدد المشاهدات لا بعمق التأثير، وتُكافأ الإثارة على حساب القيمة.
من هذا السياق، يصبح السؤال الأخلاقي سؤالًا مصيريًا: ماذا يحدث حين ينفصل الإعلام عن رسالته الإنسانية؟
جاءت الرؤية السعودية حاسمة في هذا الجانب، مؤكدة أن القيم ليست عنصرًا ثانويًا أو خطابًا تجميليًا، بل هي الأساس الذي ينبغي أن تُبنى عليه السياسات الإعلامية، والضابط الذي يحكم العلاقة بين التقنية والإنسان.
تبرز أهمية هذا الطرح في البيئة العربية التي تواجه تحديات مركبة، تتقاطع فيها التحولات الرقمية مع أسئلة الهوية والانتماء، ويعيش فيها النشء في فضاء مفتوح بلا حدود معرفية أو قيمية واضحة.
هنا يتقدّم دور الإعلام بوصفه شريكًا في التربية المجتمعية، لا عبر المنع أو العزل، بل من خلال بناء بيئات إعلامية واعية، يُقدَّم فيها المحتوى باعتباره أداة لبناء الإدراك، وتُحفظ من خلالها التوازنات النفسية والمعرفية للأجيال القادمة، ويُؤهَّلون للتفاعل مع العالم بثقة دون التفريط في بوصلتهم القيمية.
بالتاكيد تكشف التجربة السعودية، كما عكستها كلمة الوزير، عن انتقال نوعي من التعامل مع الإعلام كأدوات متفرقة إلى بنائه كمنظومة متكاملة، تقوم على الحوكمة المرنة، وتوازن بين الحرية والمسؤولية، والانفتاح ورفع الوعي.
هذا التحول، المدعوم برؤية المملكة 2030، لم يكن استجابة ظرفية للتحولات، بل تأسيسًا لقراءة جديدة للإعلام بوصفه رافعة للتنمية، ومحركًا للاقتصاد، وأداة لصناعة التأثير المستدام.
تتجسّد هذه الرؤية في المبادرات النوعية التي أُعلن عنها الوزير، من الاستثمار في الابتكار والذكاء الاصطناعي المسؤول، إلى تمكين المواهب الوطنية، وبناء القيادات الإعلامية، وتوثيق الهوية السعودية ونقلها إلى العالم بلغات متعددة.
إنها خطوات تؤكد أن الإعلام القادر على التأثير عالميًا هو الإعلام الذي يمتلك معرفة راسخة بذاته، وثقة برسالته، وقدرة على مخاطبة الآخر بلغة مهنية معاصرة.
وفي بعدها الأوسع، يتقدّم الإعلام بوصفه أحد أهم أدوات القوة الناعمة للمملكة والعالم العربي، ليس للترويج فحسب، بل لصياغة سردية متوازنة تعكس الواقع كما هو، وتقدّم نموذجًا حضاريًا يقوم على القيم، والإنجاز، والانفتاح الواعي، فالتأثير الحقيقي لا تصنعه الموارد وحدها، بل تصنعه القيادة التي تمنح المعنى، والرؤية التي تحوّل الفكرة إلى أثر.
إن الإعلام العربي اليوم أمام مفترق طرق حاسم؛ إما أن يظل أسير الضجيج وسرعة الانتشار، أو أن ينتقل إلى صناعة المعنى وعمق الرسالة،وفي عالمٍ يتشكّل كل يوم، يبقى الإعلام القادر على البقاء هو ذلك الذي يبدأ بالإنسان، وينتهي إلى خدمة الإنسان، ويحمل إلى العالم رسالة وعي، وثقة، وأمل.