الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٢ فبراير-٢٠٢٦       1540

بقلم - عبدالمحسن محمد الحارثي

في زمنٍ تتسارع فيه الوقائع قبل أن تكتمل روايتها ؛ لم يعد  الإعلام  مجرّد ناقلٍ لما يحدث، بل أصبح قوة ذكية تُعيد تشكيل ما يُفهم من الحدث، وكيف يُستقبل، وإلى أين يقود. 
ومن هنا ؛ يبرز  المنتدى السعودي الخامس للإعلام  بوصفه محطةً مفصلية لقراءة هذا التحوّل العميق؛ تحوّل  الإعلام  من مهنة السبق إلى صناعة التأثير، ومن نقل الخبر إلى تشكيل المعنى ، تحت شعار :"  الإعلام  في عالمٍ يتشكَّل ". 

لم يعد “الإعلام الجديد” جديدًا بأدواته فحسب، بل بمنطقه القائم على الخوارزميات، وتحليل البيانات، وقراءة سلوك الجمهور. 
إعلام لا ينتظر البيان الرسمي، ولا يكتفي بالمعلومة الخام، بل يعيد ترتيب الأولويات وفق ما يثير الانتباه ، لا وفق ما يستحقه الحدث..

وكما يُقال: «الخبر لم يعد ما يحدث، بل ما يعتقد الناس أنه حدث»، وهي معادلة خطيرة حين يصبح الاعتقاد أسرع من الحقيقة.

في هذا السياق ؛ تغيّر موقع الرأي العام جذريًا ، فلم يعد يتشكّل ببطء عبر تراكم الأخبار، بل عبر موجات متقلبة تصنعها المنصات الرقمية في ساعات، وربما دقائق. 

أمَّا صانع القرار ؛ فلم يعد يعتمد فقط على التقارير والدراسات، بل بات يراقب نبض المنصات، واتجاهات التفاعل، وحدّة المزاج العام؛ لأن القرار اليوم يُقاس بردّة الفعل بقدر ما يُقاس بسلامة الرؤية. 
ولعل مقولة جورج أورويل: «من يملك السرد، يملك النفوذ»، تختصر جوهر هذا التحوّل.

ومع السرعة غير المسبوقة لوصول الخبر ؛ لم تُختصر المسافة فحسب، بل انكمش الزمن نفسه. فالخبر يولد لحظيًا، ويشيخ سريعًا، ثم يُطوى قبل أن يستقر في الذاكرة. 

أصبح الخبر في خبر كان ؛ لا لأن الحدث انتهى، بل لأن سيل الأخبار لا يمنح أي واقعة حقها من التأمل. وكما نبّه نيل بوستمان: «كثرة الأخبار لا تصنع معرفة، بل قد تُنتج ضجيجًا»..فكلما تسارعت الأخبار ؛ تراجع العمق، وكلما زاد التدفق، قلّ الفهم.

وفي هذا المشهد ؛ انتقل الخبر من حضن الصحف الرسمية والقنوات التقليدية إلى حضن وسائل التواصل الاجتماعي؛ حيث لا حارس بوابة، ولا سياق مكتمل، ولا وقت كافٍ للتحقق. 
المنصة لا تسأل: هل الخبر دقيق؟ بل تسأل: هل سيتفاعل الناس معه؟ ولهذا قيل: «الرأي أسرع من الحقيقة دائمًا». 

وهكذا ؛ لم تعد المؤسسة الإعلامية وحدها من يصنع الرواية، بل أصبح الفرد ذاته وسيلة إعلام، بقوة هاتف، وضعف تدقيق.

غير أن التحدي الحقيقي في  الإعلام  الذكي ليس تقنيًا بقدر ما هو أخلاقي..فامتلاك الأدوات لا يعني امتلاك البوصلة. 
والسؤال الجوهري لم يعد: كيف ننشر أسرع؟ بل: كيف نوازن بين السرعة والمسؤولية؟ كيف نعيد للخبر معناه دون أن نخسر جمهوره؟ وكيف نحمي الرأي العام من التشكيل العاطفي السريع دون أن نكتم صوته؟ 
وفي هذا المعنى تصدق المقولة: «الحرية بلا وعي فوضى، والوعي بلا حرية قيد».

الإعلام الذكي اليوم قوة ناعمة، لكنه في الوقت ذاته حدٌّ فاصل؛ إمّا أن يكون أداة وعي وبناء، أو وقود تضليل وتشويش. 
ومن هنا ؛ تتجلّى أهمية المنتدى السعودي للإعلام، لا بوصفه ملتقى للتقنية، بل منصة لإعادة تعريف الدور: من ناقلٍ للحدث إلى حارسٍ للمعنى، ومن صانع محتوى إلى شريك واعٍ في صناعة القرار، في عالمٍ لم يعد فيه الخبر هو الأهم، بل ما يُفعل به بعد أن يُنشر.