الكاتب : النهار
التاريخ: ١٧ يناير-٢٠٢٦       8580

النهار 

 عندما تم تكليفى من قبل الهيئة العربية للمسرح مشكورة بكتابة تعقيب على عرض (فريجيدير)، تم إرسال فيديو خاص بالعرض، وقد شاهدته، وكتبت المطلوب، وأرسلت التعقيب. ولما كانت المسرحية قد عرضت مساء الليلة السابقة على التعقيب بمسرح السلام، فقد قررت الذهاب لمشاهدة العرض حيا أيضا.

   كان تعليقى مبنيا على رحلة انتقال غنام غنام من أقصى يمين المشاهد إلى أقصى يساره فى 50 دقيقة هى زمن العرض، ومبررات هذا الانتقال دراميا، وتحليل العلامات المؤدية لذلك.

   وعندما شاهدت فى مفتتح العرض الجديد غنام غنام جالسا على الصندوق أقصى يسار المشاهد داخل ثلاجة المشرحة أصابتنى الصاعقة، ولم أعرف مبررا دراميا يجعله يبدأ من داخل ثلاجة المشرحة، وهو حارسها؟

   ولهذا كان لزاما عليا أن أبدا بتسجيل بعض المقارنات المهمة بين العرضين، قبل الشروع فى تقديم التعقيب المكتوب عن العرض الأول، وأوجزها فيما يلى:

   ـ المنطقة الطولية فى أقصى يمين المشاهد كانت مخصصة لغنام فقط، وصديقه هو فقط المسموح له بدخولها أحيانا، والذى هو أغلب الظن ذاته الأخرى وقد تجردت فى صراعها الداخلى: واحدة داخل الثلاجة، وأخرى تحرسها خارجها. وكأنه صراع بين الموتى الأحياء (داخل الثلاجة)، والأحياء الموتى/ حارسها (خارجها)، ويجمعهما الألم الضارى فى رحلة البحث عن أمل مفقود.

   ولكن هذه المنطقة فى العرض الجديد، قد صارت مشاعا للعديد من الممثلين فوق الخشبة. ولما كانت دلالة الفضاء المسرحى ترتبط بدلالة من يشغله؛ فقد أصبحت دلالة فصل هذا الفضاء على مستوى الديكور أقل حدة وتأثيرا.

   ـ كانت الجثة الرئيسسية التى يقومون بخياطة جلدها، وتجميلها بأحمر الشفاه، للمحافظة عليها، هى جثة الفتاة التى يبادلها غنام الرقص، والتى يبعث عطرها الدفء فى ثلج المشرحة، وليست جثة ذلك الفتى البديلة فى العرض الجديد.

   وكانت الحركات التى يؤديها غنام أثناء خياطة وجهها، والتى يقوم فيها برتق جلد وجهه أيضا، من العلامات المفتاحية التى تكشف التراسل بين العالمين داخل الثلاجة وخارجها على عكس ما يبدو ظاهريا، ولا أعرف العلة الدرامية لهذا التبديل.

   ـ اختفى النداء الجماعى المتكرر للجثث (افتح الثلاجة) للخلاص من الألم ووهم إمكانية العودة للحياة، أو بالأحرى خفتت حدة هذا النداء الملح فى العرض الأول، لأن حارسها قد بدأ من داخل الثلاجة نفسها فى العرض الجديد وكأنه واحد من تلك الجثث. وقد أدى ذلك بدوره إلى إضعاف حدة الصراع الدرامى بين الجثث والحارس، والذى كان أكثر بروزا فى العرض الأول.

   ـ حركة تقطيع الورق الشفاف خلف كرسى غنام للخروج من المسرح الثلاجة، بعد أن أصبح المسرح فضاء واحدا للمشرحة، تقدم فعلا مسرحيا حركيا مطابقا لفكرة الخروج.

   ـ استخدام الإيشارب مع الفتاة فى البداية، ومع غنام فى نهاية العرض الثانى، يجعله علامة مزدوجة، تتأرجح بين رباط الزينة وحبل المشنقة، لهذه الأجساد الأشباح التى تتأرجح بين الحياة والموت.

   ـ عدم استخدام صورة الصديق المسرحى الشعارية فى خلفية المسرح، عند مناشدة غنام له بالبقاء داخل الثلاجة فى نهاية العرض، أطلق معنى العرض وحرره لينطبق على العديد من الأشخاص المشتركين فى هذا الوضع الإنسانى ذاته، بدلا من حصره فى شخص واحد بعينه.

   ـ نوم غنام غنام على الصندوق بالفعل فى العرض الأول بنهاية المسرحية مع جملة (ابق أنت هناك، حتى أنام أنا هنا)، لم يحدث فى العرض الجديد ليظل غنام جالسا معلقا فى عالم البرزخ بنهاية مفتوحة لا نعرف منها هل هو ميت أم حى.

   ـ أداء غنام الجسدى بالعرض الجديد تماس فى بعض الأحيان مع ملامح الأداء الكوميدى، للتخفيف من حدة التراجيديا على عكس العرض الأول.

   وفى ختام المقارنة يمكننى القول بإن العرض الجديد صار أقرب لفهم المتلقى العادى، وبخاصة أن القضية التى يعالجها العرض قضية فلسفية وجودية، وإن كنت أعتقد أن العرض القديم، كان أكثر إحكاما على المستوى السيميولوجى.

   والآن فقط يمكننى أن أنتقل مرتاح الضمير إلى ورقتى المكتوبة سلفا عن العرض المسجل.

   إذا كان لابد لنا فى البداية أن نصف نوعية عرض فريجيدير؛ فإنه يمكن من وجهة نظرى أن أنسبه إلى مسرح ما بعد الدراما، تلك النظرية التى تعالج العرض المسرحى فى الأساس وليس النص، حيث يقصد ليمان بالمصطلح تلك "العروض التى لم يعد النص المسرحى فيها أساسيا وموضوعا مركزيا، بل واحدا من ضمن العديد من الوسائل المسرحية المختلفة، التى تهدف إلى خلق تأثير ما لدى المتفرج، من خلال اللعب بالعلامات المكانية والبصرية والصوتية"(1). إن دور النص فى هذا المسرح لم يختف، لكن وظيفته قد تغيرت. حيث تقول فايلر: "لا يشير مصطلح مسرح ما بعد الدراما إلى مسرح خال من النص، بقدر ما يتعامل مع النص من داخل اللغة لتطبيق مواصفاتها المسرحية".(2)

   وتجدر الإشارة فى هذا السياق إلى أن أول كلمة نسمعها فى العرض على لسان البطل غنام غنام لا ينطق بها إلا بعد ثلاث دقائق كاملة، "ما فى شىء، وكل شىء بوقته حلو، وكل عام وأنتم بخير يا حلو"، وهى ليست حوارا ولكنها جملة محورية فيما يتعلق ببنية المسرحية ودلالتها الكلية.

   فمن حيث البنية هى تكرس لبنية المسرحية الدائرية التى تنتهى بالجملة نفسها "كل عام وأنتم بخير"، ومن حيث الدلالة الكلية للنص ربما يرى المتلقى فى نهاية العرض أن "كل شىء بوقته حلو" الحياة والموت أيضا، لأن محاولات التشبث بأذيال الحياة فى ثلاجة الموتى لا تنتج سوى الألم الممتد بلا جدوى.

   ويتمثل رد الجثث فى ثلاجة الموتى على تلك الجملة المحورية لحارس الثلاجة فى مجموعة من الصيحات التى لا تمثل كلمات، لكنها تتضافر مع الخبطات القوية والموسيقى الحادة التى تشبه نوبة صحيان فى إحداث فضاء صوتى ينتمى لمسرح ما بعد الدراما بامتياز، ففى مسرح ما بعد الدراما "لا يبنى المشهد الصوتى واقعا، بل يفتح (الخشبة السمعية) فى كل الاتجاهات، مستخدما ما وراء النسيج النصى، حيث يتم استكمال المواد المشهدية من خلال الصوت الموسيقى، أو من خلال عنصر ضوضاء معين".(3)

   أما فيما يتعلق بالإضاءة فإنها تتحول من الإظلام الكامل إلى الضوء الساطع المسلط على أشخاص معينة فوق الخشبة واحدا تلو الآخر بداية من غنام غنام، وكأنها تخلقها خلقا من العدم ولم تكن موجودة بجسدها بالفعل فوق الخشبة قبل تسليط الضوء عليها.

   أما فيما يتعلق بالديكور فهو ثابت تماما عدا منضدة صغيرة جدا يتم تحريكها وكأنها تحمل الأدوات الطبية لرتق جلد الجثث المتآكل، وإن كان لا يوجد عليها أدوات بالفعل، وتتم عملية الخياطة فى كل مرة بصورة وهمية، حيث لا تتجلى السينوغرافيا هنا بوصفها عناصر مادية وعلامات متداخلة تزحم خشبة المسرح، بل تردنا إلى الوجه الآخر من سينوغرافيا ما بعد الدراما أيضا، والذى يعتمد على إيحاء المؤدى بالموجودات داخل الفضاء المسرحى دون الحاجة الفعلية لوجودها.

   وينقسم الديكور إلى ثلاثة مناطق واضحة؛ أقصى يمين المشاهد بوابة وغرفة حارس المشرحة التى يرتقى إليها بسلم عال قليلا بدايته عند مقدمة المسرح، وكأنها بوابة مفتوحة على السماء أو عالم ما بعد الموت. والثانية وسط المسرح وبه البوابة الداخلية للجثث داخل الثلاجة. والثالثة داخل الثلاجة أيضا على أقصى يسار المشاهد وبها الصندوق الخشبى الذى يتمدد عليه غنام فى نهاية المسرحية. 

   ويهمنا فى هذا السياق الإشارة إلى الموقع الذى اختاره مخرج العرض لبطله فوق خشبة المسرح؛ فإذا كانت كتب قواعد الإخراج المسرحى الأجنبية كلها، التى يحفظها المخرجون ويطبقونها فى أنحاء العالم كافة، تؤكد أن الدخول من يسار المشاهد أقوى من الدخول من يمينه، دون أن توضح سببا لذلك؛ فإن كتاب (المسرح والعلامات) لإلين آستون وجورج سافونا قد شرح سبب هذا التفضيل قائلا: "إننا نقرأ الصورة كما نقرأ الصفحة المطبوعة، ولذلك فإن يسار المتفرجين هو الجزء الأقوى الذى تعود إليه عين المتفرج بانتظام".(4)

   ووفقا لعلة القاعدة دون الاستلاب لهيمنة سلطة أصحاب الاكتشاف المبكر لفن المسرح ولنتيجتها الشكلية، يكون الدخول من يمين المشاهد العربى الذى يقرأ لغته من اليمين لليسار هو الدخول الأقوى، وهذا ما فعله مخرج العرض الحاكم مسعود مع بطل العرض غنام غنام الذى ظل قابعا على يمين المشاهد طول المسرحية تقريبا. ولا يعنينا هنا إن كان المخرج يعلم تلك الأسس التنظيرية التى تشدقنا بها أم لا، لكنه قد فعلها وهذا هو المهم. مما يؤكد أننا أمام مخرج صاحب إحساس مرهف فى رسم لوحاته المسرحية، وأنه يراها دائما بعين المشاهد.

   وقد ظل غنام فى موقعه أمام بوابته المضيئة على يمين المشاهد، ولم يغادره سوى مرتين؛ الأولى فى الدقيقة 20 للمشاركة فى حوار راقص مع الفتاة التى يخيط جلدها أولا بأول، ويحرص على بث الحياة فى أطرافها، وإن كانت تريد كباقى الجثث مغادرة الثلاجة والاستسلام للموت ومراسم الدفن، بدلا من هذا العذاب غير المبرر، حيث تتكرر جملة (افتح الثلاجة) على لسان الجثث فى إيقاع جماعى متصاعد أكثر من مرة بالعرض، مما يسهم فى صناعة فضاء صوتى/ فوق دلالى، يحرص العرض على إبرازه لإعلاء دور الألفاظ الإيحائى فى مقابل دورها السردى. فمسرح ما بعد الدراما كالشعر، هو "المنطقة التى تتحول فيها العلاقة بين الصوت والمعنى من علاقة خفية إلى علاقة جلية تتمظهر بطريقة ملموسة جدا"(5)، وبخاصة أن حلم الخروج من الثلاجة، هو الحلم الجماعى للجثث التى تبحث عن الخلاص من الألم والحلم الكاذب دون أمل حقيقى فى العودة للحياة.

   أما المرة الثانية فكانت فى الدقيقة 43 لمواجهة حوارية حادة بينه وبين الفتاة التى صارحته فيها قائلة: "مازلت معلقة بين آلام الوقت فيما تبقى من جلدى، لا أريد أن أكون فكرة، دعنى أذهب، دعه يذهب". وذلك قبل أن تنتقل فى الدقيقة 45 إلى موقع غنام حارس المشرحة أقصى يمين المشاهد، وينتقل غنام فى الدقيقة 50 بنهاية المسرحية إلى أقصى يسار المشاهد متمددا فوق الصندوق داخل ثلاجة المشرحة.

   فقد استغرق غنام غنام زمن المسرحية كله لينتقل فى فضاء العرض من أقصى يمين المشاهد إلى أقصى يساره، من مقعد حارس المشرحة إلى جثة ممدة داخلها. على أن هذا التحول الدرامى فى نهاية المسرحية الذى يبدو للوهلة الأولى مناقضا لبدايتها، يمكن بمراجعة التفاصيل الصغيرة المهمة فى المسرحية اكتشاف أن الأمر ليس كذلك تماما، حيث نكتشف فى النهاية أن الصراع الدائر بين حارس المشرحة والجثث التى تحاول الخروج منها، هو فى حقيقة الأمر صراع بين الأحياء الموتى/ حارس المشرحة، والموتى الأحياء/ الجثث المحفوظة بالثلاجة. ولما لا؟ وغنام هو الذى يقول فى نهاية المسرحية "تسلل الموت إلينا من الداخل، وسكن الموت فينا".

   فإذا نظرنا إلى مستوى الحركة، على الرغم من أن غنام غنام يقول فى ختام المسرحية "نحسب أننا أحياء فقط لأننا نتحرك"؛ فإننا لو راجعنا حركة غنام منذ بداية ظهوره، سنجد أنها حركة وهمية فى المكان ذاته، فهى لا تنتج مسافة، أو هى تجمد حقيقى ليتساوى حال الجثث داخل المشرحة مع حال حارسها خارجها.

   وإذا نظرنا إلى مستوى الزمن، فإن غنام يحدثنا منذ بداية المسرحية عن "الزمن المتجمد"، ويقول مرة أخرى قبيل نهاية المسرحية "60، 30، 40، 70 عاما تنقص يوما أو شهرا أو تزيد فى هذا الزمن المتجمد"؛ فهذا الزمن المتجمد الذى فقد القدرة على حسابه خير دليل على تساوى حال الجثث داخل المشرحة مع حال حارسها أيضا.

   وبمناسبة الحديث عن الأرقام يجدر بنا الإشارة إلى أن العرض يصف جثث الممثلين الموجودين فى ثلاجة المشرحة بالأرقام لا الأسماء، حرصا على تحطيم الشخصية الدرامية التقليدية، وإحياء لمنطق الآداء فى مقابل منطق الاستغراق فى التمثيل. وبخاصة أن المؤدين/ الجثث طوال المسرحية يكملون جمل بعضهم وكأنهم شخصية واحدة، أو بالأحرى بلا شخصيات تمثل ذوات مستقلة.

   أما الدليل الثالث فيتمثل فى قيام غنام برتق جلد وجهه فى موقعه أقصى يمين المشاهد، فى اللحظة نفسها التى تقوم فيها الحارسة برتق جلد وجه الفتاة الجميلة داخل الثلاجة أقصى يسار المشاهد، وكأنهما جثتان واحدة داخل الثلاجة والأخرى خارجها. وهو القائل فى المسرحية نفسها: "نضحك على أنفسنا بأن الموت يمكن إصلاحه بخياط الجثث".

   أما الدليل الرابع والأخير فيتمثل فى الصديق الذى يصر غنام على عدم موته وبقائه فى الثلاجة، فهو الشخص الوحيد المسموح له أثناء العرض بالوقوف إلى جانب غنام فى مساحته الخاصة أقصى يمين المشاهد، وهو أيضا الوحيد المسموح له بالخروج من الباب الخاص بغنام، وأغلب الظن أنه غنام نفسه، وقد انقسمت ذاته إلى قسمين: حارس المشرحة، وجثة فى ثلاجتها. ولهذا عندما تبادلا الأماكن فى نهاية المسرحية قال له غنام "ابقى أنت هناك، حتى أنام أنا هنا".

   وإذا كانت المسرحية مأخوذة عن نص الكاتب الأردنى هزاع البرارى الذى يحمل عنوان (زمن اليباب)، والمتناص مع قصيدة الشاعر تى. إس. إليوت (الأرض اليباب)، فإنها تذكرنى أيضا بقصيدة (تنويعات) للشاعر صلاح عبد الصبور، والتى يقول فى مطلعها: 

"كان مغنينا الأعمى لا يدرى

أن الإنسان هو الموت

لم يك ساقينا المصبوغ الفودين

يدرى أن الإنسان هو الموت

والعاهرة اللامعة الفكين الذهبيين

لكنى كنت بسالف أيامى،

قد صادفنى هذا البيت

(الإنسان هو الموت)"(6)

   إن الشاعر "يستل خيوط الموت من مشهد مسائى لحانة تعج بمباهج الحياة، ذلك من خلال اختياره الفائق العناية لأبطال تقرب القارىء من التسليم بصدق المقولة، فالمغنى (أعمى) والساقى (مصبوغ الفودين) والعاهرة (ذات فكين ذهبيين)، فكيف لا يرون الموت الماثل فيهم المطل من نواقصهم؟"(7). وتجدر الإشارة فى هذا السياق إلى أن هذه العبارة قد أخذها عبد الصبور عن الشاعر والمسرحى الأيرلندى وليم بتلر ييتس، حيث يقول فى الحركة الأخيرة من القصيدة:

"يا وليم بتلر ييتس

كم أضنيت يقينى بفكاهتك الأسيانة

بذكاء القلب المتألم

لكنى أسأل:

إن كان الإنسان هو الموت

فلماذا يتبسم هذا الطفل الأحور

ولماذا جاز البحر المزبد

حتى حط على شباكى الشرقى الموصد

هذا العصفور الأسود

هذا البيت

(الإنسان هو الموت)"(8)

   وتجدر الإشارة إلى أن ييتس قد ناقش هذا التناقض بين إدراكنا للموت ورغبتنا فى الحياة بقصيدته (الموت)، ومسرحيته الأخيرة التى كتبها قبيل وفاته (المطهر). وإلى أن هذا الطفل الأحور المبتسم فى القصيدة، يذكرنا بتلك الفتاة الصغيرة الجميلة التى أمسكت بيد غنام غنام فى المشهد الأخير من المسرحية.

   هل قصد المؤلف التناص مع عبد الصبور أو مع ييتس أيضا؟ وهل التفسيرات التى اجتهدت فى الوصول إليها للعرض تفسيرات تغنى عن غيرها؟

   إن معنى العمل الفنى يقف فى منطقة وسطى بين النص وثقافة المتلقى، وكما يقول فراى فى كتابه تشريح النقد: إنه من السخف اعتبار رأى الناقد هو الحكم الأخير على العمل الأدبى. ولكن دعونا نردد بصدر رحب مع رينيه ويلك: ""إن معنى العمل الفنى لا يستنفد، بل لا يتساوى مع قصد الكاتب منه. فهو يعيش حياة مستقلة بوصفه منظومة من القيم. كما أن المعنى الكلى للعمل الفنى (إذا جاز هذا التعبير أصلا) لا يمكن أن يعرف فقط بحدود معناه لدى الكاتب ومعاصريه، بل يتحدد بتاريخ نقده على يد العديد من القراء فى العديد من العصور".(9)

الهوامش:

1 ـ هانس ـ تيس ليمان: مسرح ما بعد الدراما، ترجمة: مروة مهدى عبيدو، المشروع القومى للترجمة (3435)، المركز القومى للترجمة، القاهرة، 2023، ط1، ص: 16.

2ـ حسن المنيعى (وآخرون): مسرح ما بعد الدراما، أربع مقاربات: كريستل فايلرـ حسن المنيعى ـ محمد سيف ـ خالد أمين، سلسلة دراسات الفرجة (15)، منشورات المركز الدولى لدراسات الفرجة، طنجة، 2012، ط1، ص: 15.

3ـ هانس ـ تيس ليمان، سابق، ص: 264.

4ـ إلين أستون (وجورج سافونا):المسرح والعلامات، ترجمة: سباعى السيد، مراجعة: محسن مصيلحى، مطبوعات مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى، وزارة الثقافة، 1996، ط1، ص: 25.

5ـ رومان جاكبسون: قضايا الشعرية، ترجمة: محمد الولى ومبارك حنون، دار توبقال للنشر، المغرب، 1988، ط1، ص: 54.

6ـ صلاح عبد الصبور، ديوان شجر الليل، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2015، ص: 33 و34.

7ـ أحمد مجاهد، أشكال التناص الشعرى، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1997، ص: 156.

8ـ صلاح عبد الصبور، مرجع السابق، ص: 39 و40.

9ـ رينيه ويليك (وأوستون وارين): نظرية الأدب، ترجمة: محيى الدين صبحى، مراجعة: حسام الخطيب، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1981، ط2، ص: 43، 44.