حسين السنونه - القاهرة
تستمر لليوم السادس العروض المسرحية في مسابقة مهرجان المسرح العربي "16" القاهرة .
ففي الساعة الخامسة كان جمهور المسرح في مسرح السامر على موعد مع العرض العراقي "طلاق مقدس" للمخرج علاء قحطان
تتمحور فكرة العمل يواجه العرض وحشية الفكر المتطرف واستحضار زمن "داعش" العرض مكاشفة للأمراض المجتمعية التي يورثها الآباء للأبناء وصرخة لنبذ العنف ونشر قيم التسامح والحرية.
وبعد ذلك قدم د. فراس الريموني ورقة نقدية عن العرض "طلاق مقدس" في الندوة التطبيقية التي عقدت بعد العرض
قال في بداية ورقته عرض مسرحية طلاق مقدس فكرة النص مصطفى الركابي تأليف وإخراج علاء قحطان
طقوس في محراب الخلاص
صوت خرير ماء وزرقة ضوء وحركات حذرة
اقفال الخوف ونظرات الدهشة والاستفهام
تناقضات تعصف بالاسئلة الوجودية
دقات بعيدة تحرك الاجساد المنهكة
سقوط ومحاولات النهوض وعذبات نسائية وسط مساحات بلون الموت والبرد
ظلال ارواح هائمة ومحبوسة معذبة ومسخ الأغطية يصادر ملامحها ويزيد من عزلتها وهروبها واقفال فوق الاقفال.
إنها فوضى الحرب وانعكاسها على المجتمع في الإنحدار الروحي والاخلاقي والعقائدي وسن قوانيين الإنتقام والإنفصام والتطرف.
عندما يسود الجهل المقدس تتبدل الأعراف وتسقط الأهداف السامية وتدفع الأطراف الضعيفة الأثمان الباهضة تشرد الأطفال وتمتهن النساء وينقسم المجتمع طائفيا وعقائديا وجهويا وجندريا، تحول اللقاء المقدس إلى مدنس، وزغرودة الفرح الى حزن.
تبدأ ساعات الانتظار بعد تلوين الوجه بحثا عن نبض تواجه به الزوج المطلق
تفكير عميق وارتعاشة في الجسد ارهقه القلق والتعب
وخفقان القلب يوقفه طرق الابواب ورتابة دقات الساعة على الحائط
تفتح الاقفال واحد تلو الاخر وصوت غلق الكراسي رصاصة منتظرة
فضاء موبوء، ظلام، عشوائيات، رياح، حركة قلقة، نساء بلا ملامح، غموض، مطر، خرير ما، ماضي عريق وحاضر مؤلم بين الغزو والحرب والدمار، صاعقة الكل يركض نحو المجهول يسيطر الخوف والشكوك والفوضى، بشر ملونة واسلحة متنوعة خراب شامل بيوت تحطمت وجدران هدمت.
روح هائمة يلفها الخوف يلفها السواد والاقفال، حذر من النوافذ يرعبها طرقات الباب
لحظات حلمية يتداخل صوت فك الاقفال ودقات الساعة، كأنها قنبلة موقوتة، يزداد التوتر باستقبال الحبيب المحمل بالخيبات والحيرة ليكشف مربكا متلعثنا عن المصير المؤلم موت وعار سبعة دقائق ويبث الخبر بصوت الرصاص.
خطوات بطيئة ينهيها طرق الباب ومرحلة جديدة مصير محتوم دقيقة جديدة تأخذنا الى كرسي الاعتراف.
يخيم الصمت والحزن على المكان، لينطلق البث أمام الكاميرا : الأبطال مواطنون أسمائهم أرقام ترمز للشؤم تبدأ بسرد الماضي بحبه وزعله بغزله وعراكه، والحاضر غامض خلف الإقنعة المقدسة، الوقت يمر والأمزجة تتغير والحبيب مجرم جبان عنف وصراع وسلاحه معد للذبح إنتصار للطهارة المدنسة.
تكشف سردية الماضي عن حالة انفصام الزوج الحبيب يضحك ويبكي مع تلازم الحزن والفرح إنشطار بالذات يجعل ظهره مقوس وأسنانه متشنجة يهرب إلى عالم الخيال. عائلة مفككة وتاريخ مخزي.
طرق على الباب كلاكيت المشهد الثالث
تفاوض ومواجهة صراع بين الحرية والتطرف بين التضحيات وانتاج المومياءات الملثمة.
انها ازمة كونية ازمة عقائدية بين النور والظلام بين الحياة والموت ينهي اللحظة دقات الباب التي تنبأ بإنحسار الوقت.
أحداث الماضي تسيطر عليها حروب بشعة وسجون وعزلة وآثام ومعاصي حالة أبوية مجرمة
طرق باب ، صمت ثم ثرثرة عن هزائم متكررة أمام العدو وأحداث الحياة والذاكرة وأمام المشاعر تنتج كائن مجبول بالضعف والقلق والجبن والتردد مشوه متناقض.
أزمة بلا ملامح او حلول تنتج تنوع بحالات الأنتحار الفاشل، التي تتنازع مع شعائر الصلاة والدعاء لتتوقف الساعة وتحدث الجريمة.
هنا تسرد قصة الحياة الفنتازية بين الحلم والواقع على لسان رسالة الطهر والعفة والشهادة للقضاء على الظلم والظالمين.
مشاعر متناقضة صراخ بصمت تمائم وشعائر وأدعية ..
طرق على الباب وصراع الأجيال والأزمان والسلوكات والحاضر والماضي وتحقيق في اجواء مهينة مرعبة تكشف عن حقائق مزيفة.
فرضية العرض :
غرفة في أحدى فنادق بغداد الرخيصة .. في منطقة شعبية عشوائية. منطقة يتكاثر بها المجرمون وتجار المخدرات وكل الطبقات المسحوقة, فندق قديم ومتهالك ويكاد ان يسقط .. فضاء العرض شباك صغير مطل على الشارع وطاولة طعام متهالكة مكسور احد اقدامها وشمعة ( نيون ) صغيرة معلقة وساعة حائط, وباب مثقل بالاقفال، هذا المكان الذي يلتقي فيه الزوجان في الخفاء خوفا من الجماعة العقائدية التي ترفض ان يلتقي الزوجان تحت أي ظروف لذا قرر الزوجان ان يلتقيان في هذا المكان غير الصالح للحب يلتقيان في كل شهر مرة بعيدا عن عيون الجماعة.
التمثيل:
ممثلين شكلهم مختبر العمل المسرحية بإيقاع دقيق وحس مضبوط وصوت رنان وجسد مرن وحضور ديناميكي.
منظومة أدائية إحترافية تنتج معان ودلالات مركبة متعددة متنوعة تسوقها العيون احيانا والإيماءة والحركة وتسريحة الشعر احيانا اخرى
ذبذبات الروح وإرتعاشات الجسد وفوضى الحواس وسط فقاعة زرقاء وسط محيط هادر لا يمنحك صفاء التفكير يجعل الزمن كاميرا تدور حول نفسها فتتلاشى حدود الزمن بين الماضي والحاضر والمستقبل .. تداخل الأحداث والبؤس والأنفصام والصراع وكأنها لعنة لاتنتهي تمتد إلى خيال ظل الحياة
السينوغرافيا:
الإضاءة:
تأكد الألوان بضوءها الأزرق والترابية والاحمر فقدان الأمل وتلعب الظلال والظلام رسم لوحة غامضة تحتاج إلى فك شيفرتها تنقلنا عبر مساقطها المحددة لفضاءت متداخلة بالزمان والمكان.
الديكور:
قطع ديكورية محدودة ومعبرة طاولة ومجموعة كراسي وشماعة ملابس وساعة حائط وباب تسيطر عليه الأقفال
كل مفردة تحمل دلالاتها وإيقاعاتها في تعميق حالة التوتر والقلق والضياع وفقدان الأمن والأستقرار
الموسيقى والمؤثرات:
الموسيقى والمؤثرات الصوتية اعتمدت على آلة الكمان وعلى الآلات النقرية والمؤثرات الصوتية للأقفال وطرق الباب ودقات الساعة وجهاز الإنعاش وأصوات الآهات الأوبرالية.
تحيلنا للقلق والتوتر والإنتظار المغلق يدور كدولاب لا يمنحك التركيز إلا في الدوران العبثي معززا حالة اللاجدوى وحتمية الإنفجار الأخير والنهايات البائسة وشكلت الآهات متاهة الصراع عبر رقصة دمار الروح وتشضي الأنثى بين الأم والزوجة المكسورة بالعقيدة والأخلاق والأزياء والمجتمع وبكل أساليب القهر محاولة تحرير روحها من هذه العذابات ولكن هيهات.
الإخراج:
رسم المخرج لوحاته بقلم رصاص لعب الضوء والظل دورا في تناقضات الأنسان بين الإيمان والتطرف بين الطهر والعهر بين الحب والحقد.
رسم لوحاته بأجساد الممثلين فشكل تكوينات تعبر عن التحدي والتفاوض والهزيمة والمكر والخديعة والأنتحار وأنعتاق الروح.
كما وشكل بالمعادل السمعي صورة بصرية مؤثرة وكأنها ظلال الأحداث والشخصيات
ولعب على دلالات الألوان فالأزياء سوداء وقطع ديكور سوداء تعبر عن قتامة الحياة والموت هو الخلاص الأبدي.
العرض الإمارتي
فيما كان جمهور المسرح في مسرح السلام على موعد مع الابداع التونسي في عرضه المسرحي "بابا" من اخراج محمد العامري: لفرقة مسرح الشارقة الوطني، العمل يصور صراع الأجيال وسلطة "الأب" التي تستمر حتى موته، ويصور العمل كيف ان البيت أصبح فضاء للمقع والترهيب وليس للحب والانسجام، العمل يحاكم إرث تسلط الأب الذي هو عكس الفطرة الإنسانية.
ثم تم عقد ندوة تطبيقية عن العرض قدم الورقة النقدية د. عادل الحربي: وقد أشار في ورقته النقدية الى بعض النقاط كخلاصة للقراءة التحليلية، وخاصة أن المخرج أراد أن يصنع مخططا تركيبيا عبر التأليف والسينوغرافيا والإخراج بأسلوبه التجريبي ، يضمن ويحتوي مجموعة من التقنيات والأساليب الإخراجية ويمزجها ببعض سمات المناهج المختلفة مثل التعبيرية والرمزية، وطبيعة تجريبية لملء فضاء افتراضي مشحون بالأداء التمثيلي، بحيث حقق تداخلا بين الأجسام والإكسسوارات وقطع من الديكورات والإضاءة والمؤثرات، واحيانا تصبح الشخصيات كنها منحوتة بسبب المعاناة والبحث عن الخلاص.
العرض التونسي
وكان اخر عرض في اليوم الخمس لمهرجان المسرح العربي العرض التونسي "الهاربات" وعرض على مسرح الجمهورية عند الساعة التاسعة مساءا، العمل من تأليف وإخراج وفاء طبوبي، يرتكز العمل على مشاعر إنسانية لخمس نساء مهمشات ورجل، ينتظرون أي وسيلة من وسائل النقل حتى تنقلهم من الواقع الموجع لحياتهم لعله يأخذهم الى ماهو مجهول ومرعب، العمل يحاكي الاحلام التي لا تتحقق والطموحات التي لم ترى النور من فقر وخسران الذات والفقر وانهيار القيم الإنسانية والعائلية.
بهد ذلك أقيمت ندوة تطبيقيها حول العرض قدمها د. محمد أمين بنيوب يقول في ورقته: ان العرض ينهض على حكاية ، تقع أطوار احداثها في محطة على ما يبدو محطة مهجورة او منسية في ضواحي المدينة، لا نعرف بالضبط جغرافية هذه المحطة ولا معالمها الواضحة، ربما المخرجة، ارادت أن تقحمنا منذ البداية في فضاء المحطة وصخب أصوتها وضجر محركاتها ، لا إشارات ولا أضواء تدل على ذلك.
ويؤكد الناقد بنيوب: ان أكثر ما شدني في المنجز الفني موضوع الهرابات الذي احالني على لوحة الرسام الإسباني بيرديل بوريل والموقعه باسم "الهروب من الإطار" تدل اللوحة على شاب فقير يغادر إطار اللوحة وهو في حالة اندهاش وفزع وترقب، صمم لفتة، الهروب من وضع كبل وجوده وقيد حريته وقرر الخروج نحو أمكنة وفضاءات، تستوعب حريته وتسمح له بالتمرد ضد كل أشكال الضبط الاجتماعي وجل أنماط الهيمنة والخضوع.