القاهرة- حسين السنونه -النهار
تستمر لليوم الخامس العروض المسرحية في مسابقة مهرجان المسرح العربي "16" القاهرة .
ففي الساعة الخامسة كان جمهور المسرح في مسرح السامر على موعد مع عرض من زاوية اخرى "" العمل من تأليف مصعب السالم وإخراج محمد جمال الشطي ، فرقة المسرح الكويتي.
تتمحور فكرة العمل حول وقوع جريمة قتل غامضة لعائلة في قصر فخم، ومع محاولات المحقق كشف الجناة عبر ذكريات القتلى، تنكشف لنا حقيقة "السعادة المزيفة" التي كانت تدعيها العائلة، العمل يكشف عن هشاشة العلاقات الأسرية وكيف أن المظاهر الإجتماعية البرَّاقة تخفي وراءها زيفاً كبيرا.
بعد العرض أقيمت ندوة تطبيقية قدمت د. نوال بن إبراهيم: تقول في ورقتها النقدية: أن العرض ينطلق من الجريمة بوصفها أداة درامية فمن كشف السلوك الإنساني اثارة أسئلة حقيقية حول العدالة والحقيقة، وتعرية الدواخل النفسية والاجتماعية التي تقود الى الفعل الإجرامي تبدأ الأحداث بالتحقيق في جريمة قتل أسرة بأكملها من عدة زوايا لنكتشف في الأخير دوافع القتل ومبرراته وكان هاجس المحقق مُنصب على الأدلة المادية وفهم ملابسات الجريمة و إعادة بناء احداثها، الظاهر الرئيسي هو التحقيق وليس هناك ارتباط بمراجعيه.
هو تصورات ذهنية في خيال المحقق، وسوف يتحول المسرح الى فضاء نفسي يعكس اضطراب الوعي وتشظي الحقيقة لذلك لن يكون مكتملاً ولن يقدم حكاية ذات بعد أفقي أو عمودي، بل سيقدم عدة حكايا متناثرة مجزءة إلى لوحات حتى لا يصل المتلقي الى وحدة متماسكة لكي ينظر هو بنفسه للعرض من زاوية متعددة ويمارس قراءات متعددة، سينطلق من موضوع الشر، كما رأيتم في الفتوغرافية الأولى.
وتضيف الناقدة بن إبراهيم: الحركة كانت في فضاء ضيق لتعطينا الإحساس بالاختناق والموت والضيق، الإيقاع الحركي كان يتراوح بين الحركة الإيمائية التي كانت تحاكي الواقع والحركة التعبيرية السريعة والمتوترة.
وأكدت الناقدة أن العرض لم يسقط في الرتابة نهائيا واستخدام التكرار في هذا الأداء الحركي مقصود لماذا ليُعبر عن القهر الإجتماعي والقهر النفسي العجز عن التغيير والدورات في حلقة مفرغة.
الشيء الذي أكسب هذه الحركات بعداً رمزياً وتحول الجسد الى علامة مسرحية يريد الهروب من الإنكسار ويهفو للخلاص ولو بالموت.
وعن الفضاء وتوظيفه تقول الناقدة نوال بن إبراهيم: توظيف الفضاء ، اعتنى بالفضاء في اطار مادي وشبحي ساهم في توصيل فكرة الغموض والشر واعطى انطباع بشري ابرز مسرح مليء بالتوتر والموت واهتم بتوزيع الإضاءة والممثلين بشكل متناسق لخلق صور بصرية تجسد رؤيته التعبيرية.
وعن المخرج تقول الناقدة بن إبراهيم: يبدو ان المخرج تحكم في تنقل الممثلين وحركاتهم وايماءتهم الكبيرة والصغيرة، كما التزم الممثل بتعليمات المخرج خوفا او احتراما او انسجاماً مع الرؤية للمخرج وتحرك وفق أوامر المخرج بطريقة محسوبة مجسدا الشخصية بفعالية ومحافظ على ديناميكية الأداء واليقظة على ما يدور حوله.
العرض المغربي
فيما كان جمهور المسرح في مسرح السلام على موعد مع الابداع المغربي في عرضه المسرحي ""WINDOWSF5" العمل من تأليف وإخراج أحمد أمين ساهل يتركز على العرض على خطورة التكنولوجيا من خلال سجن افتراضي يحكمه الذكاء الاصطناعي يقيد هذا السجن حرية ثلاثة نساء ارتكبن جرائم ناتجة عن القمع الأبوي والتسلط ، ويركز العرض على قضايا المرأة في المجتمعات محاصرة بين سلطة التقاليد والقانون.
بعد ذلك أقيمت الندوة التطبيقية للعرض المغربي وقدم الورقة الناقد الدكتورة حسن خيون يقول في ورقته: في عالمٍ تتسارع فيه الوتيرة الرقمية، صارت شاشتنا نافذتنا الكبرى على الواقع، جاء العرض ليضع المتلقي امام سؤالٍ لم يعد افتراضيا بل وجوديا ملحا في الوقت ذاته.
من يتحكم بالتكنولوجيا نحن أم هي التي تعيد تشكيل حياتنا وتوجه مصائرنا هذا السؤال يفتح أفقاً تأمليا حول شكل جديد من أشكال السلطة غير المرئي، سلطة بل وجه او جسد لكنه رغم ذلك قادرة على ضبط الحركة وتقيد الجسد وإعادة تشكيل السلوك الإنساني يحدث ذلك كله بضغط زر واحدة.
العرض المسرحي يدخلنا الى عالم مسرحي يشبه غرف تحكم شاسعة عالمٍ يبدو في ظاهره امتداداً لحياتنا المعلبة بين الأوامر الالكترونية وسيل الإشعارات لكنه يتحول تدريجيا الى سجن رقمي يعاد فيه إنتاج أشكال العنف التقليدية عبر وسائط اكثر نعومة في الشكل وأكثر شدة في الأثر.
وعن الرؤية الجمالية للعرض يقول الناقد حسن خيون: إذ يبرز الجسد بوصفه كياناً خاضعاً لمنطق السلطة التقنية أكثر منه ذاتاً حرة فاعلة.
وعن التكثيف الرمزي يقول خيون: هذا النسيج الدرامي يبرز رمزية الملح ولا سيما في شخصية سعيدة حيث يتحول على علامة الطاهرة والجرح والتوازن في آن واحد اداؤها رمزية لمقاومة هذا العالم إذ يفتح هذا الرمز أفقا شعائريا يلمح الى محاولة استعادة الذات عبر الجسد والذاكرة وكان بالإمكان تعميقه حضوريا نفسيا ودلاليا بدل الاكتفاء بترجمته بصريا عبر المادة البصرية الفيديو بشكل مباشر.
ويختم الناقد حسن خيون: لعل أبرز ما يقوله العرض أن السجان لا يسكن الحاسوب فقط بل يسكن البيت والمجتمع والذاكرة ومن يتجرأ على مواجهته مهما اختلفت أسماؤه قد يجد نفسه داخل نظام يعيد إنتاج العقاب بدون توقف إذ يبدو سجننا الرقمي انعكاساً لصورة اجتماعية أوسع تدور في حلقة القمع مرارا بينما يكون التمرد مكلف وهو ضروري لكشف الحقيقة.
عرض " WINDOWSF5" معاصر يخطب خطاب كلاسيكي في جوهره لكنه يوظف أدوات حديث لنقل فكرته بهدوء وبدون افراط.
العرض التونسي
وكان اخر عرض في اليوم الخمس لمهرجان المسرح العربي العرض التونسي "جاكرندا" وعرض على مسرح الجمهورية عند الساعة التاسعة مساءا ، العمل من تأليف عبدالحليم المسعودي وإخراج نزار السعيدي، وقصة العرض من خلال مركز الاتصال مكانا للحدث وهو قطاع يمثل بداية مهنية مؤقتة للشباب التونسي السعيدي والمسعودي مراجعة الماضي 2011م حيث يظهر الموظفون كزهر الجاكرندا التي تفتحت كأبواق للأمل ثم سقطت في مهب الريح ليصبح المركز فضاءا لا يتواصل فيه أحد مع العالم الخارجي بل يجترون فيه انكساراتهم وفرصهم الضائعة.
وبعد انتهاء العرض أقيمت ندوة تطبيقية نقدية وقد كانت ورقة النقد للدكتورة عواطف نعيم اذا تقول في ورقتها: جاكراندا سقوط الأقنعة في تردد هاملت المخرج الروسي القدير الكسي بوبوف في كتابه المهم ( التكامل الفني في العرض المسرحي ) يقول : محطة القطار حين يكون القطار ثابتا هي صورة ثابتة وحين يتحرك القطار فهي صورة ثانية متحركة ومختلفة، المسرح عوالم تتحرك وتتغير داخل فضاء يتحكم فيه بعد ان يشتغل على النص مخرج يمنح ذلك النص المجرد حياته ويستنطق شخصياته ويقود حراكهم بعناية ورصد دقيقين مستعينا بعناصر المسرح المتنوعة في إنجاز تلك الحياة وإطلاقها حركة وصوتا ومشاعرا ومواجهة تصل حد الصدام او حد التنافس او الاقتتال ، ولعل اهم عنصر في فضاء المسرح حين البدء في التجسيد هو الممثل العلامة الأولى والمحرك لأحداث العرض والباث لدلالاته ومعانيه ، سر المسرح وجوهر وجوده هو أنه حيوي ، متجدد ، متغير وقابل للتكيف لذا قاوم وصمد أمام كل المتغيرات وهو أيضا باعث للدهشة والتي هي أولى الخطوات نحو الفلسفة ، في فضاء المسرح لعرض جاكراندا نشاهد الفضاء وقد توسطه مركز للاتصالات ثابت يتغير فيه الضوء مع حركة الشخصيات وتجولها من حوله وداخله حيث تدور أحداث المسرحية لكاتبها ودراما تورج العرض فيها عبد الحليم المسعودي ومخرجها ومصمم السينوغرافيا نزار السعيدي وإنتاج المسرح الوطني التونسي . في هذا العرض تتداخل الشخصيات ونلتقي مع بعضها ضمن داءرة من العلاقات المعرفة بينهم كما تظهر لنا والخلفية بينهم أيضا، فهناك العزيزات وهناك الصديقات العارفات مع بعضهن بطبيعة العلاقة التي تجمع هارون وهو الوراثي عبد النصراوي والفت العاملة في نركز الاتصالات وعنده وعلاقتها بالمتوفي سي عبد النصراوي وعفاف والعلاقة الاي تجمعها مع الكلاعي وهو العم وزوج الام أرملة سي النصراوي جويدة ومعهما وبصحبتهما صفوان الحارس الشخصي لهارون الوريث والزواق الذي يدور بين الجميع معلقا على بعض الاحداث وكاشفا لبعضها المعلومات ، والشخصيات تسرد ما تريد وكيف تفكر دافعها لذلك أحداث مرت بها ومرت بالبلد وغيرت دورة الحياة فيه وكشفت عن حقائق كانت مستقرة لدى البعض وهواجس تحولت إلى طريقة عيش وتبني سلوك وكل ذلك كان تحت ضغط المتغير السياسي الذي جاء بعد الثورة في تونس خلال أحداث الربيع العربي ، هنا يتوسط ذلك السرد والكشف الذي يدور امامنا سؤال ، اي الشخصيات يصمد أمام موجة التغيير والتبدل في المفاهيم والقيم ومن يجري مع التيار مسلما ومنقادا بدوافع وقراءة مختلة احيانا وتعبير عن المضمر في النفس الإنسانية في احيان أخرى ؟ النص التونسي جاكراندا هو تناص مع مسرحية( هاملت ) للكاتب الانكليزى شكسبير والتي تتجسد في العلاقة ما بين هارون الوريث والفت العاملة في مركز الاتصالات والعم الكلاعي وعلاقته مع جويدة زوجة الأخ المتوفي سي عبد النصراوي ، المعالجة الاخراجية في هذا العرض جاءت تنفيذية خالطها بعض من مجتهدة بالجديد والحديث ، دار مسار الحركة في جراكاندا بشكل دائري كما لو كان ة الجميع يدور في دائرة مفرغة من اللاجدوى وانتهى من حيث بدأ وحتى الشخصيات المتمردة والتي تظهر في بعض سلوكها شيء من العنف والرفض كانت تبدو في لحظات أخرى مستسلمه وساكنة ، لكن كانت هناك في جانب أخر لحظات من الذروة عند تفّجر المشاعر وإصطخاب الاحاسيس ، التعاون ن ما بين المخرج والكاتب قادر على وضع النص المسرحي في منطقة التأويل والاسقاط والخروج الى ابتكار وإستحداث عوالم محايثة ومساعدة لما جاء في النص المسرحي من خطاب فكري تنويري ، جاكراندا عرض مسرحي تونسي ينتمي للحداثة والمغايرة وينتصر للانسان التواق الى الحرية والعيش الكريم ( حين تكون اللاكرامة إختيارا يكن الصمت قرارا ) شكرا لتونس على هذه القصيدة التنويرية في زمن العتمة ...