الكاتب : النهار
التاريخ: ١٣ يناير-٢٠٢٦       8745

النهار

تستمر لليوم الرابع العروض المسرحية في مسابقة  مهرجان المسرح العربي  "16" القاهرة .

ففي الساعة الخامسة كان جمهور المسرح في مسرح السامر كان على موعد مع العرض التونسي "كيما اليوم" العمل من  اخراج ليلى طوبال من انتاج "المسرح الوطني" تتمحور فكرة العمل على ان الطفلة "دنيا" اختفت عقب حفل عيد ميلادها، وعن عبارة عن تيمة رمزية للبحث عن الصفات والقيم الإنسانية النبيلة والصراع مع القيم والقشور الزائفة وكل ذلك يحدث في وجود الفرقة الاجتماعية والتي احد أسبابها الرئيسية هو وسائل التواصل الحديثة التي شرخت المجتمع بطريقة موجعة ومؤلمة.

وبعد العرض  أقيمت ندوة تطبيقية قدم الورقة النقدية الدكتور عبداللطيف نادير يقول في ورقته النقدية: المسرحي.    

أ ـ الشخصيات

وظفت المخرجة في هذا العرض شخصيات يمكن تقسيمهم إلى ثلاثة اتجاهات مختلفة:

الاتجاه الأول يمثله (صوت الفيلسوف الحكيم) عن طريق الحلم، لم يظهر على خشبة المسرح بل (صوت من وراء الستار) يحمل رسالة إنسانية كونية تنذر بنهاية الانسان وتحمل في عمقها قضايا مصيرية حول الوجود والموت ومصير الانسان

 الاتجاه الثاني تمثله: (دنيا الصغيرة ودنيا الكبيرة)، وهو رمز لاستمرار الإنسانية على قيد  الحياة والامل.

الاتجاه الثالث تمثله أربع شخصيات (بيسان، جنات، أوركيدا وميمون)، للدلالة على الحصار والانغلاق والتيه، وقد استطاعت المخرجة دراسة هذه الشخصيات دراسة معمقة بالتدقيق في تحديد أبعادها الداخلية والخارجية والاجتماعية، الى درجة أنها أوْهَمَت المتلقي وكأنها شخصيات حقيقية تعيش بيننا داخل ذلك الواقع المحاصر، تأثير بالغ الأهمية خلال لحظات التشخيص عن طريق التعبير الجسدي القوي، خصوصا الشخصيات الأربعة (بيسان، جنات، أوركيدا وميمون)، وتجسيد الأدوار بكثير من الدقة والمهنية، مما جعل تداول الحوار فيما بينها قد اتخذ أشكالا مختلفة من الأحاسيس في كل موقف من مواقف المسرحية. 

لقد اتخذ الصراع بين الشخصيات في تنامٍ متصاعد، خصوصا الصراع الداخلي، مما انعكس إيجابا في عملية التشخيص الذي بَرِعَ فيه الممثلون في الأداء والتعبير الجسدي.

ب ـ السينوغرافيا والإنارة:

كتبت ليلى توبال عملها المسرحي بعين المخرجة مع استحضار المتلقي في العملية التواصلية، لذلك كانت كل مكونات العرض مهيأة بكثير من الدقة والحرفية، فالسينوغرافية في نسقها العام لم تَكُنْ مكملة للنص، وليست شارحة أو مفسرة  له، بل قادرة على مساءَلته في تناسق جمالي، مبنية على رؤى تشكيلية تمتح من الرمز حضورها القوي، مشهديات غنية بالعلامات، تشكل عنصرا بصريا أساسيا، مختزلة كل تراكم تفسيري مادي لكل مشهد من المشاهد، العرض لم يكن بحاجة إلى ديكور، ولَم يوظف الاكسسوارات، بل كانت الخلفية لوحدها كافية  لتفسح المجال للممثلين لإبراز قدراتهم التشخيصية في الحركة والتعبير، مع خلخلة المشهديات بتوظيف الضوء كسلطة تقديرية قادرة عل بناء تصورات تخييلية للمتلقي، هذا الأخير في نهاية المطاف سوف لن يكون متفرجا عاديا ومستهلكا بسيطا للفرجة الجاهزة،  بل من المفروض أن يكون متمرسا على التفاعل، وحريصا على المشاركة الإيجابية، حاملا لثقافة معرفية وفنية قادرة على أن تُؤهِّلَه  لتفكيك شفرات العرض بما يتناسب ومستواه المعرفي، من هنا  يكون التفاعل في إنتاج وتعدد القراءة والانفتاح على المقاربات التأويلية..

 

 

العرض القطري

فيما كان العرض الثاني  القطري "الساعة التاسعة" في الساعة السابعة والنصف في مسرح السلام.

العمل من تأليف مريم نصير وإخراج محمد الملا من انتاج المسرح القطري، العمل يتركز حول ما يلعبه الزمن وهو المحرك الرئيسي للعرض يحاكي قصة عائلة تنتظر ابنها الطيار الذي يزورهما عن الساعة التاسعة صباحا حتى التاسعة مساء وفي الزيارة تحصل على العائلة على المشاعر العاطفية التي تفتقدها العائلة ولكن في النهاية ينصدم الجمهور بان هذا الابن ليس ابننا للعائلة ومن هنا يناقش العرض التحول الإنساني من المشاعر الإنسانية وتلك الفطرة الإنسانية الى متوحش من خلال صفقات بيع العواطف.

وبعد العرض أقيمت الندوة التطبيقية للعرض قدمتها د. إيمان عزالدين: في البداية تقول الناقدة يقوم العرض المسرحي القطري "الساعة التاسعة" الذي قدمته "فرقة قطر المسرحية" من إخراج محمد يوسف الملا، عن نص للكاتبة مريم نصير ودراماتورجيا غنََام غنََام. ويعتبر نص المسرحية بمثابة مرثية للروح الإنسانية في عصر الاستهلاك؛ حيث تنجح الكاتبة مريم نصير في كشف بشاعة تحول المشاعر الإنسانية المقدسة (الأبوة والبنوة) إلى "طلبات" مدفوعة الثمن. يستخدم النص "المنطق العبثي" ليثبت أن الحقيقة الوحيدة المتبقية هي "الغصة" والانتظار الذي لا ينتهي، مما يجعل العمل تجربة جمالية وفلسفية تدفع المتلقي لإعادة تأمل علاقته بالزمن وبالآخرين.

يُمثل عرض "الساعة التاسعة" محطة فنية لافتة في المشهد المسرحي القطري المعاصر؛ ليس فقط لحصده النصيب الأكبر من الجوائز في مهرجان الدوحة المسرحي 2025 (بما فيها جائزة أفضل عرض متكامل)، بل لكونه محاولة جادة للاشتباك مع فلسفة العبث وتوظيفها بصرياً. ينطلق العرض من دراما اجتماعية مغلفة بالغموض، حيث نرى أبويْن يعيشان حالة من "انتظار الغائب"، متمثلاً في ابنهما الطيار الذي فُقد في حادث، ليظهر لهما يومياً عند التاسعة صباحاً ويغيب عند التاسعة مساءً. إلا أن هذا الحضور الجسدي ليس سوى "زيف تعويضي" تُقدمه شركة متخصصة، مما يفتح الباب أمام قراءة سيميولوجية عميقة لبنية الفراغ الوجودي وسجن الزمن.

 

وتضيف الناقدة اعتمد العرض استراتيجية الاختزال في حوارات الفيلم التسجيلي التمهيدي،

الزَّوْجَةُ: كَفَى! أَشْعُرُ بِالدُّوَارِ، وَبِي رَغْبَةٌ (كَأَنَّهَا سَتَتَقَيَّأ (

الزَّوْجُ: حَامِل حَبِيبَتِي؟ لَا تَتَحَرَّكِي، وَلَا تُتْعِبِي نَفْسَكِ، سَأُحَقِّقُ كُلَّ مَا تَرْغَبِينَ بِهِ...

(فَجْأَةً يَنْتَفِخُ بَطْنُهَا، وَكَأَنَّهَا فِي الشَّهْرِ التَّاسِعِ مِنَ الحَمْلِ)

الزَّوْجَةُ: إِنْ كَانَتْ بِنْتًا، سَنُسَمِّيهَا عَلَى اسْمِ أُمِّي... وَإِنْ كَانَ وَلَدًا...

الزَّوْجُ: سَنُسَمِّيهِ عَلَى اسْمِ أُمِّي... أَبِي.

هذا الاختزال، غير المبرر، افضى إلى إفراغ الفيلم التسجيلي من وظيفته التمهيدية بوصفه مدخلًا لتعريف شخصيات المسرحية وبناء تيمتها الأساسية، فالفيلم التسجيلي في هذا السياق لا يؤدي دورًا سرديًا فحسب، بل يقوم بدور تأسيسي في تشكيل البنية الدلالية للعرض، لاسيما فيما يتعلّق بشخصية الابن الذي ظهر جسديًا داخل الحدث المسرحي إلا أن ظهوره يأتي بوصفه شخصًا مستعار، لا يعبر عن الابن الحقيقي بقدر ما يؤكد غيابه. ومن ثم تتحول شخصية الابن إلى محور دلالي يُؤسس عبر الازدواج بين الحضور الجسدي والغياب المعنوي تيمة الزيف والتعويض التي يقوم عليها العرض.

 

العرض اللبناني

وفيما كان ختام عروض اليوم الرابع مع العرض اللبناني " بيكنيك ع خطوط التماس"  من اخراج الممثلة والمخرجة جوليا قصار، العمل يتركز حول الحرب الأهلية اللبنانية وما حدث للبشر والحجر وكيف قضت الحرب على الكثير من الاحلام والطموحات وتسببت في هجرة الكثير من الشباب والعوائل من لبنان الى لبنان ومن لبنان الى العالم ومازالت الحرب مستمرة ولربما  بسلاح او بدون سلاح.

وبعد العرض أقيمت الندوة التطبيقية للعمل قدمها الدكتور يوسف مصباح مارس يقول في ورقته النقدية: تدور المسرحية حول والدان يقرران زيارة ابنهما المقاتل على خطوط التماس في أسواق بيروت، حاملين معهما عدة نزهة (بيك نيك)، في موقف يجمع بين السخرية والوجع. النص الأصلي ريمون جبارة عام 1999 مستوحى من مسرحية "نزهة على الجبهة" للكاتب الاسباني فرناندو أرابال، وقد أعاد جبارة كتابتها

أرابال يأخذك في رحلة فكرية فلسفية عن الحرب كفكرة مجردة وقمعية، بينما جبارة يغوص بك في رحلة عاطفية وجرحى حقيقيين يعيشون تفاصيل الحرب. الأول يسأل: "لماذا الحرب؟" كسؤال وجودي، بينما الثاني يسأل: "كيف نعيش في الحرب؟ وكيف نتذكرها؟". لكل منهما منطلق  أحدهما ينطلق من العقل الناقد (أرابال)، والآخر ينبض من القلب الجريح (جبارة). 

التقنيات السردية والدرامية

اعتمد النص  العرض لريمون جبارة وإخراج  جوليا قصار على تقنيات سردية متعددة  منها

  •  

السرد 

قام  على مستويين: مستوى رواية مباشرة (أحداث النزهة والحرب)، ومستوى رواية غير مباشرة تتعلق بالوضع العام قبل الحرب وبعدها والنقد الاجتماعي والسياسي

  • الباروديا(المحاكاة الساخرة): تم تقديم العمل كـ"باروديا هجائية" عن المقاتلين والحرب، باستخدام السخرية اللاذعة و التورية لهجاء الواقع

 اللغة الشعرية محلية مكثفة  :كان  الجمع بين الحوار الواقعي المضحك وبين لغة شعرية و جارحة في آن واحد، كما في الحال في خطاب الاب و الام في محطات عديدة من العرض  و في لحظات مختلفة   يلجؤون إلى الكلام البذيء

في هذا العرض  و الذي كان محمودا و مقبولا و متامشيا مع  تركيبة الشخصيات خاصة شخصية الاب 

الاعتماد على انواع عدة من تقنيات الاضحاك 

المبالغة  الغروتسك كوميديا الطبايع 

 كوميديا الموقف كوميديا الكلمة ..كوميديا الحركة و كوميديا الالتباس و سوء الفهم التهكم   

باختصار، نجحت جوليا قصار في خلق عرض مسرحي متماسك، منطلقه نص ريمون جبارة يقدم نقداً اجتماعياً عميقاً عبر مزيج مُحكم من الكوميديا السوداء والدراما الإنسانية، مؤكدة استمرارية رسالة ريمون جبارة وأهميتها في الزمن الحالي

أداء والإخراج

 

جاءت عملية إعادة الإخراج التي قادتها جوليا قصار عام 2024 كجزء من سلسلة من اربغ عروض لتكريم ريمون جبارة، مع الحفاظ على روح النص الأصلي وقراءته بمنظور معاصر 

رؤية المخرجة جوليا قصار

1المفارقة الدرامية: فكرة "النزهة" (البيكنيك) في مكان خطر مثل خط التماس تخلق تناقضاً صارخاً يجسد عبثية الصراعات وطرق تعايش البشر مع الخطروهذا ما نجحت فيه بشكل كبير من خلال كتابية ركحية ذكية و الاشتغال على مجموعة من المستويات و الوضيات الهزلية و التراجدية في آن  .

كان ذالك 

  1. بأداء المتمكنين: إتقان الممثلين لأدوارهم يخلق مصداقية نادرة، حيث تمكنوا من نقل المشاعر المعقدة التي تعيشها الشخصيات في ظروف الحرب.
    3. النص الموجع: الكتابة القوية التي تحاكي الواقع المرير للحرب دون أن تقع في فخ المباشرة أو الخطابية، مما يسمح للمشاهد باستخلاص الدروس والإحساس بفظاعة الصراع.
    4. البعد الإنساني: التركيز على الجوانب الإنسانية بدلاً من الجوانب السياسية المجردة يجعل العمل شاملاً وقابلاً للتعميم على مختلف الحروب.خاصة في غياب ذكر للطوائف و الاديان  للشخصيات هي نقطة ذكية و محورية في العمل  جعله يخرج من المحلية لتصبح عالمية   و قضية انسانية صالحة لكل زمان

المسرحية تذكرنا بأن الفن الهادف يمكنه أن يكون وسيلة قوية لفهم المآسي الإنسانية وتعزيز قيم السلام والتسامح، حيث تحول المعاناة إلى تجربة جمالية تثير التعاطف والتفكير النقدي.

هذا العمل يجسد كيف يمكن للمسرح أن يكون مرآة تعكس تناقضات الوجود الإنساني في أصعب ظروف