الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٧ مارس-٢٠٢٥       22165

حسين السنونة – النهار

الشاعر العماني حسن المطروشي اسم محفور في ذاكرة الوطن العربي، يتحرك بأكثر من رئة، الصحافة والترجمة والشعر، ولكن تبقى رئة الشعر هي الأقوى، شارك في الكثير من المناسبات الثقافية والمهرجانات الشعرية في سلطنة عمان والوطن العربي، كانت له عدة زيارات للمملكة العربية السعودية يمتلك علاقات شعرية وإنسانية مع جحافل من الشعراء والمثقفين في المملكة والعالم العربي.

 يقول في لقاء مع موقع "النهار" عن فوزه بمسابقة المعلقة الشعري مؤخرا في العاصمة السعودية الرياض: . لقد سبق لي أن توفقت بالحصول على العديد من الجوائز الشعرية المرموقة محليا وعربيا وعالميا، ولكن جائزة المعلقة كانت الحدث الأبرز على مستوى الجوائز في مسيرتي كلها.

 

س- ماذا تقول عن فوزك بمسابقة المعلقة؟

 

- كل فوز يمثل نقلة في حياة المبدع، ولكن الفوز بجائزة المعلقة ليس كأي فوز. لقد سبق لي أن توفقت بالحصول على العديد من الجوائز الشعرية المرموقة محليا وعربيا وعالميا، ولكن جائزة المعلقة كانت الحدث الأبرز على مستوى الجوائز في مسيرتي كلها. لقد كانت هي الأكثر شراسة في المنافسة المكشوفة والمنقولة فضائيا عبر القنوات الإعلامية. لذلك فإن عائد الشهرة والحضور الجماهيري والنجومية لا تقل أهمية عن العائد المادي الذي يعد الأكبر في كل ما حققته سابقا. إنني سعيد جدا بهذه الإنجاز الذي لا أعده إنجازا شخصيا لتجربتي كشاعر وإنما إنجاز للمشهد الشعري في بلادي. 

لقد كانت تجربة مدهشة أضافت لي الكثير على مختلف الأصعدة، وكان التحدي هائلا، قد سعيت منذ البداية بأن أكون على قدر المسؤولية، إيمانا مني بأهمية هذه الجائزة وفكرتها المغايرة، من خلال سعيها لإحياء فكرة المعلقات في التراث العربي وتجسيدها عبر منافسة حقيقية تقوم على منهجية شعرية محضة، تنحاز للإبداع وتنتصر للقيمة الجمالية في القصيدة. 

إنه شعور عظيم أن تحظى قصيدتك بالتعليق في السعودية، قلب الجزيرة العربية، أرض المعلقات وموطن الإبداع الخلاق. ثمة شعور بالخلود تمنحه هذه الجائزة للنص وكاتبه. 

 

س- حسن المطروشي يقول إنه ليس من أنصار المعارك الوهمية والشعر يستوعب الجميع؟ حدثنا عن ذلك.. أين تسلك أنت في المواءمة بين تلك المدارس الشعرية؟ 

 

- عبارة أنني لست من أنصار المعارك الوهمية وردت في سياق حديثي عن صراع الأشكال الشعرية، هذه المعارك التي اشتعلت منذ أن هبت رياح الحداثة على نواف بيتنا العربي. وأنا أؤمن تمام الإيمان بهذا الموقف. الشعر فعل تجريب وفضاء مغامرة، لا يقبل التعليب أو البقاء رهين القوالب الجاهزة. لذا فإنه قابل لاستيعاب التجديد، بل التجديد ضرورة حتمية للشعر من أجل أن يبقى حيا ويواصل مسيرته التاريخية. لا أؤمن بالإقصاء، وأتصور أنه لا يمكن أي شكل من الأشكال الشعرية قادر على طمس الآخر ومحوه من الوجود. لذا فإن علينا أن نتقبل وجود كل هذه الأطياف الشعرية، ونترك لها الفضاء لتقديم ما لديها. وفي نظري أن هذا التعدد هو إثراء للشعر وإغناء لمسيرته. أما أنا شخصيا فأترك للقصيدة خيارها في التشكل كيفما جاءت. رغم أنني ما زلت مقتصرا على شعر التفعيلة وقصيدة البيت في صيغتها الحديثة، في حين أن جل قراءاتي في قصيدة النثر، التي أجدها تضيف الكثير إلى قاموسي الشعري، وهي بالفعل إضافة إلى منجز الشعرية العربية بشكل عام. 

 

س- تقول في كتابك (بريد المحطات) بأن الحياة عبارة عن محطات متتالية .. ما الذي تعنيه بالضبط؟ وهل لك أن تحدثنا عن هذا الكتاب؟

 

- أنا بالفعل تتمثل لي حياة الكائن أشبه بسلسلة من المحطات المتتالية. ربما لا يشعر المرء حين يقطعها أنه يتنقل من محطة إلى أخرى، نظرا لطبيعة الحياة المختلفة التي تستدرج المرء إلى المنحطة النهائية، دون أن يدرك أنه قد اجتز محطاته كافة، وأنه وصل إلى النقطة التي يترجل فيها ويرحل إلى أتون الأبدة. 

هذه المحطات تشكلها مواقف وذكريات وحكايات ووجوه وصداقات لا حصر لها. وبالنسبة لي فقد حاولت في كتاب (بريد المحطات) أن يكون هذا الكتاب بمثابة رسائل قادمة من محطات العمر البعيدة. الكتاب قسمته على قسمين، قسم لبريد هوجس الحياة، وقسم آخر لبريد هواجس الكتابة. اشتمل الكتاب (البريد) في مجمله على مقالات أدبية تشكل جزء من ذاكرتي في الحياة والشعر ورصيد التجربة.   

 

كانت لك العديد من الزيارات للمملكة.. حدثنا عن ذلك؟ وماهو الشيء الذي لفت انتباهك وبقى في ذاكرتك، لاسيما التحولات التي شهدتها المملكة على كل الأصعدة؟

 

علاقتي بالمملكة العربية السعودية وثيقة جدا، وزياراتي لها عديدة لا حصر لها. وأجد أنها في كل مرة أزورها أكتشف المزيد من عراقتها وثقافتها وتجددها وطيبة أهلها وكرمهم المعهود، وحبهم واحترامهم للإنسان العماني. أما في السنوات الأخيرة فقد أدهشني حجم التحول الهائل الذي شهدته المملكة على كل المسارات، لاسيما الانفتاح ومناخ الحرية في ظل القيادة الجديدة. 

 

س- حدثنا عن الحركة الشعرية في عمان والمملكة العربية السعودية؟ ومن الشاعر الذي يتوقف عنده المطروشي؟

 

- أعتقد أن المشهد الشعري في عمان والمملكة العربية السعودية متكامل تماما مع نظيره العربي، وما زالت جزيرة العرب هي أصل اللغة والإبداع والشعر. ونحن الآن نشهد نهضة ثقافية وشعرية منقطعة النظر وتحظى بدعم رسمي في البلدين الشقيقين، وما زال للشعر حضوره القوي على كل المستويات.

أما عن الشعراء فأنا لا أحب التوقف عند أحد. الشعر ساحة كبيرة، أشبه ببستان متنوع القطوف ومتعدد الألوان والمذاقات. وكل نص له لذته الخاصة. كما أن ذائقة المرء تتغير تبعا لقراءاته ووعيه وتجربته. وفي كل مرة نكتشف تجارب خلاقة قادرة على استفزازنا وإدهاشنا.   

 

س- البعض يقول إن ترجمة الكتاب العربي إلى لغات أخرى ليس له فائدة مرجوة؟ ماذا يعني للشاعر ترجمة قصائده إلى لغات العالم؟

 

- أنا من أنصار الترجمة ولو كانت قصيدة واحدة. الترجمة جسر عبور يوصل صوتنا للآخر. وأعتقد أننا نحن العرب ينبغي علينا ترجمة الشعر العربي كضرورة حضارية، لأن العرب أمة الشعر، وأجمل ما أنجزت الحضارة العربية هو الشعر. الشعر هو أصدق صورة للثقافة العربية الأصيلة التي لا يشوبها تطرف ولا إرهاب ولا خطاب كراهية، وإنما هو خطاب جمالي وحضاري وإنساني خالد.  

 

س- ألا ترى أن عدد الشعراء يتضاعف؟ هل هي حالة إيجابية أم مجرد زيادة أرقام؟

 

- في كل عصر من العصور هناك أعداد كبيرة من الشعراء، بعضهم من ذوي التجارب المتواضعة، والبعض الآخر تجارب شعرية عالية. قد يلمع شاعر لفترة معينة من الزمن، ولكنه لمعان وقتي زائف، لاسيما إذا كان لمعانا يتكئ على قاعدة إرضاء الجماهير والرغبة في حصد التصفيق في المنابر. الزمن كفيل بغربلة الزبد من غيره، لاسيما عندما تخض هذه التجارب للدراسة والنقد والتمحيص. لا خوف من وجد هذه الأعداد التي سمحت لها وسائل التواصل بالانتشار والظهور.   

 

س- ماذا يعني لك الشعر بعد هذه السنوات من النجاحات؟ ومتى يتوقف المطروشي عن الشعر؟

 

- قيد تستغرب إذا قلت لك أن الشعر لم يعد يعني لي الكثير. لقد كتبت الشعر وحملت قصيدتي في مدن العالم وحملت اسم بلادي إلى مختلف القارات والبلدان، واكتشف الكثير من الثقافات واكتسبت معارف وأصدقاء أصبحوا متوزعين في أقاصي الدنيا. مقابل ذلك خسرت كثيرا من شبابي وصحتي وقواي وأوقاتي التي كان ينبغي أن أقضيها جوار عائلتي. لقد ضحيت كثيرا، وربما لو يعود الزمن لارتكبت نفس الحماقات. ورغم ما تكبده من خسارات فادحة فأنا لا أملك قرار الكف عن اقتراف الشعر، فلم يعد في العمر متسع لخيارات أخرى.